د. كمال دفع الله يكتب.. مصر بين أرباح الجغرافيا وخسائر الإقليم
في عالم السياسة لا تُقاس الدول بما تملكه من خرائط، بل بما تحققه من مكاسب. فالموقع الجغرافي قد يكون نعمة وقد يتحول إلى عبء، والقوة لا تكمن في الجغرافيا ذاتها بل في القدرة على استثمارها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة مصر في السنوات الأخيرة.
تمتلك مصر الشقيقة واحداً من أهم المواقع الجيوسياسية في العالم. فهي تسيطر على قناة السويس، وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وتقع عند ملتقى أفريقيا وآسيا. لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا تملك مصر؟ بل ماذا ربحت من كل ذلك؟
على صعيد الأرباح، نجحت مصر في تثبيت نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في ملفات غزة وليبيا والسودان وأمن البحر الأحمر. وحين اندلعت الحرب في غزة اتجهت أنظار العالم إلى القاهرة باعتبارها الوسيط الأكثر تأثيراً. وحين تصاعدت الأزمة السودانية أصبحت مصر طرفاً رئيسياً في أي حديث عن مستقبل الدولة السودانية. وهذا في لغة السياسة يسمى "رأس مال استراتيجي".
كما نجحت القاهرة في بناء شبكة علاقات متوازنة مع أطراف متناقضة؛ فهي تحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، وفي الوقت نفسه توسع تعاونها مع الصين وروسيا. وهذه المرونة جنبتها كلفة الاصطفاف الحاد في منطقة تموج بالصراعات.
لكن الأرباح السياسية لا تعني بالضرورة أرباحاً اقتصادية. فالتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر أدت إلى تراجع عائدات قناة السويس، وهي إحدى أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر. كما أن الحروب المحيطة بالبلاد فرضت أعباء أمنية واقتصادية متزايدة، بدءاً من ليبيا غرباً وانتهاءً بغزة والسودان شرقاً وجنوباً.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى وهي كلما زادت أهمية مصر الاستراتيجية، ازدادت أيضاً تكلفة الحفاظ على هذه الأهمية. لقد ربحت مصر نفوذاً سياسياً، لكنها دفعت مقابله أعباء اقتصادية وأمنية متزايدة. وربحت مكانة دبلوماسية، لكنها ما زالت تسعى لتحويل هذه المكانة إلى مكاسب تنموية ملموسة يشعر بها المواطن العادي.
ومن الواضح أن التحدي الحقيقي أمام مصر اليوم لا يكمن في إدارة الأزمات الإقليمية، بل في تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والنفوذ إلى استثمار، والدور السياسي إلى عائد تنموي مستدام.
فالنفوذ الذي لا ينعكس على التنمية يصبح عبئاً، والجغرافيا التي لا تنتج ازدهاراً تتحول إلى مجرد موقع على الخريطة. لهذا فإن مستقبل الدور المصري لن يُقاس بعدد الملفات التي تتوسط فيها القاهرة، بل بقدرتها على تحويل موقعها الاستثنائي إلى قوة اقتصادية مستدامة. فالدول لا تربح لأنها مهمة فقط، بل لأنها تعرف كيف تستثمر أهميتها.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لمصر في شرق أوسط يتغير كل يوم خا3صة بعد الدور الايراني الناعم المرتقب بعد توقف الحرب الامريكية - الايرانية . كيف تحول موقعها من مصدر نفوذ سياسي إلى مصدر ثروة وطنية؟ وكيف تجعل من الجغرافيا رصيداً للتنمية لا مجرد عنوان للقوة؟
عميق احترامي و تقديري