محمد الامين ابوزيد يكتب.. صراع المياه بين اثيوبياومصر والسودان يدخل مرحلة جديدة ومعقدة

محمد الامين ابوزيد يكتب.. صراع المياه بين اثيوبياومصر والسودان يدخل مرحلة جديدة ومعقدة

اعاد تصريح وزير المياه والطاقة الاثيوبى هابتامو ايتيفا فى اغسطس 2026 بان تدفقات مياه النيل المتجهة الى دول المصب ستكون تحت سيطرة بلاده،ملف مياه النيل الى واجهة التوتر السياسى بين اثيوبيا ومصر والسودان. 
تزامن التصريح مع توجه اثيوبى نحو انشاء سدود اضافية على النيل الازرق، الامر الذى دفع مصر الى اعلان رفضها لاى محاولة للسيطرة على تدفقات المياه الى دولة المصب. 
بالنسبة للسودان تبدو التطورات مهمة باعتباره الدولة الواقعة اسفل سد النهضة مباشرة والاكثر تأثرا باى تغير فى توقيت وكميات مياه النيل الازرق المرتبطة بمشاريع مائية وكهربية وزراعية. 
تكمن اهمية التصريح فى انه ينقل القضية من نطاق التنمية وتوليد الطاقة الى نطاق يتعلق بادارة مورد مائي عبر الحدود. 
اعلن وزير الرى المصرى فى اغسطس ان القاهرة لن تسمح ببناء سدود اثيوبية جديدة على النيل وطالب بالية ملزمة لتبادل البيانات الخاصة بتشغيل السدود. 
*دلالات سياسية واستراتيجية*
ان الدلالات السياسية والاستراتيجية تكمن فى: 
1/الانتقال من ادارة سد واحد الى منظومة مائية كاملة. 
هذا يمنح اثيوبيا قدرة اكبر على تنظيم توقيت وكميات المياه المتجهة الى السودان ومصر. 
2/تكريس واقع مائى جديد يحول الخلاف من قضية قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الى قضية ادارة حوض النيل الازرق. 
3/التصريح يمثل رسالة تفاوضية تهدف الى دفع القاهرة والخرطوم الى التعامل مع الواقع الذى فرضه سد النهضة. 
4/ توظيف المياه كورقة ضغط للدولة صاحبة المنشآت المائية فى ملفات اخرى.
السودان هو الطرف الاكثر حساسية تجاه طريقة تشغيل سد النهضة واى سدود جديدة وقد يؤدى التنظيم الاثيوبى للتدفقات الى فوائد محتملة من بينها انتظام اكبر للمياه وتقليل بعض مخاطر الفيضانات، بالاضافة الى فرص تحسين تشغيل المنشآت الكهرومائية السودانية. لكن هذه الفوائد تصبح محدودة اذا لم تتوفر بيانات دقيقة ومسبقة حول عمليات التشغيل والتصريف.
ان غياب التنسيق والية لتبادل البيانات قد يجعل ادارة سدود السودان اكثر صعوبة لان اتخاذ قرارات التخزين والتصريف يحتاج الى معرفة كميات المياه الواردة وصولها وتوقيتها.
اى تغير كبير فى انتظام التدفقات يمكن ان ينعكس على الزراعة المروية ويرتبط مباشرة بالامن الغذائي والانتاج والاستقرار الاقتصادى فى السودان. 
قد يدفع التصعيد الاثيوبى الخرطوم والقاهرة الى الاقتراب من بعضهما لاسيما فى الظرف الحالى(الحرب) فى ملف الامن المائي بمنع الاجراءات الاحادية وضرورة وجود اتفاق ملزم لتبادل البيانات والتعامل مع سنوات الجفاف. لكنه فى الوقت نفسه قد تكون للسودان مصلحة فى الاستفادة من تنظيم مياه النيل وتوليد الكهرباء من السدود الاثيوبية. 
يمثل التصريح تحديا للعلاقات بين الخرطوم واديس المتوترة بسبب    اتهام الخرطوم لاثيوبيا بمساندة الدعم السريع،وفى المقابل اتهام اثيوبيا للخرطوم بمساندة ودعم جبهة تقراى المعارضة. 
*ماهى السيناريوهات المحتملة؟* 
السيناريو الاول التصعيد  ان تستمر اثيوبيا فى تنفيذ مشاريع جديدة دون اتفاق ملزم مع دولتى المصب.وترد مصر سياسيا ودبلوماسيا بينما يجد السودان نفسه امام ضغوط متزايدة لاتخاذ موقف واضح. 
هذا السيناريو الاكثر خطورة على الاستقرار الاقليمى فى القرن الافريقى كله. 
السيناريو الثانى التفاوض تدفع الصغوط الاقليمية والدولية الاطراف الثلاثة الى استئناف التفاوض حول قواعد تشغيل السدود وتبادل البيانات وأليات التعامل مع الجفاف والفيضانات وهو السيناريو الافضل. 
السيناريو الثالث الامر الواقع تستمر اثيوبيا فى بناء منظومتها المائية تدريجيا بينما تكتفى مصر والسودان بالاحتجاجات السياسية. وهنا يصبح الواقع المائي اكثر رسوخا ويصعب تغييره. 
*مرحلة جديدة*
ان التصريح الاثيوبى يمثل مؤشرا مهما على ان ملف النيل يدخل مرحلة جديدة وبالنسبة للسودان فان اخطر مايمكن حدوثه هو ان يجد نفسه امام واقع مائي جديد دون امتلاك المعلومات والقدرات الفنية والضمانات القانونية التى تمكنه من ادارة آثاره.
ان تصريح وزير المياه والطاقة الاثيوبى لاينبغى التعامل معه تصريحا اعلاميا عابرا، بل كمؤشر على اتجاه استراتيجى محتمل نحو توسيع السيطرة الاثيوبية على البنية التحتية للنيل الازرق. ومحاولة تثبيت مفهوم اثيوبى جديد لادارة النهر باعتبارها دولة منبع رئيسية، تمتلك حقا واسعا فى اعادة تشكيل تدفقات المياه بمايخدم مصالحها. 
اذا ترسخ هذا المفهوم سياسيا فان النزاع لن يعود محصورا فى قواعد التشغيل والملء وانما سيتحول الى صراع حول من يملك سلطة ادارة النظام المائي للنيل الازرق وهذا يضع السودان فى موقف بالغ الحساسية.