محمد الشنتناوي يكتب… السلام في فكر الشرفاء الحمادي
ليست كل الدعوات إلى السلام سواء، فبعضها يخرج من أفواه الساسة حين تضيق بهم ميادين الحرب، وبعضها يكتب في الأوراق بوصفه أمنية نبيلة لا تجد طريقها إلى الواقع، أما السلام في فكر المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي، فليس كلمة طارئة على مشروعه، ولا عنوانا يضاف إلى عناوينه، بل هو الروح التي تسري في هذا المشروع كله، والغاية التي تنتهي إليها رؤيته في الدين والإنسان والحياة.
المفكر العربى على الشرفاء الحمادي لم ينظر إلى الإسلام يوما بوصفه دينا جاء ليصنع خصومة بين الإنسان وأخيه، أو ليقيم بين الناس جدرانا من الكراهية والفرقة، وإنما قرأه كما أنزله الله: رسالة رحمة، ومنهجا للعدل، ودعوة إلى أن يعيش البشر في هذه الأرض متعارفين متعاونين، لا متناحرين متقاتلين. ومن هنا جاءت دعوته المتكررة إلى أن يعود المسلمون إلى القرآن الكريم، لا عودة اللسان الذي يتلو، بل عودة العقل الذي يتدبر، والقلب الذي يهتدي، والضمير الذي يفرق بين ما قاله الله وما ألصقه الناس بدينه عبر قرون من الصراعات والأهواء.
والسلام عند الشرفاء الحمادي لا يبدأ من موائد التفاوض، ولا من عبارات المجاملة بين الدول، بل يبدأ من الإنسان نفسه؛ من تطهير عقله من أفكار العداء، وتحرير قلبه من أمراض التعصب، وإعادة بنائه على القيم التي أرادها الله لعباده: الرحمة، والعدل، والإحسان، والعفو، واحترام حق الإنسان في الحياة والكرامة والاختيار. فالإنسان الذي امتلأ بالغل لا يصنع سلاما، والعقل الذي تربى على احتقار الآخر لا يبني مجتمعا آمنا، والخطاب الذي جعل من الاختلاف سببا للعداوة لا يمكن أن يقود أمة إلى مستقبل مستقر.
ومن يقرأ فكر الشرفاء الحمادي يدرك أنه لا يتحدث عن السلام بوصفه نقيضا للحرب فقط، بل بوصفه نقيضا لكل ما يفسد الحياة؛ نقيضا للظلم، وللإقصاء، وللتكفير، وللاستعلاء، ولتلك القسوة التي تسللت إلى بعض الخطابات حتى أوهمت الناس أن الدين لا يكتمل إلا بالغلظة، وأن الإيمان لا يثبت إلا بإدانة الآخرين. بينما القرآن فى كما يراه الشرفاء الحمادي هو كتاب يفتح أبواب الرحمة، ويجعل العدل فريضة، ويقرر أن اختلاف الناس سنة من سنن الله لا جريمة تستوجب الخصام.
ولهذا فإن الحديث عن السلام في فكر الشرفاء الحمادي لا يمكن فصله عن معركته الكبرى من أجل تحرير الوعي الإسلامي من أسر الموروثات التي شوهت صورة الدين، وحملت الناس على أن يخاصم بعضهم بعضا باسم السماء، بينما السماء بريئة من كل ظلم وعدوان. لقد أدرك أن أخطر ما يهدد الأمة ليس فقط ما يحيط بها من أزمات، بل ما استقر في بعض عقول أبنائها من أفكار جعلت الفرقة عبادة، والخصومة فقها، والكراهية طريقا موهوما إلى الله. ومن هنا كان مشروعه في جوهره مشروعا لإنقاذ الإنسان من سوء الفهم، وإنقاذ الدين من سوء التوظيف.
ولعل عظمة هذه الرؤية أنها لا تنغلق داخل حدود الجدل النظري، بل تتجاوز ذلك إلى بناء مشروع عملي يحمل رسالة واضحة إلى العالم: إن السلام ليس ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية، وليس مطلبا لفئة دون أخرى، بل حق لكل إنسان على هذه الأرض. ولذلك لم تبق أفكار الشرفاء الحمادي حبيسة الكتب، وإنما اتخذت طريقها إلى الناس عبر مؤسسة رسالة السلام، التي لم تكتف بنشر الفكر، بل سعت إلى حمله إلى الجامعات، والمنتديات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية فى العواصم المختلفة، لتؤكد أن الأمة التي تريد أن تستعيد مكانتها لا بد أن تستعيد أولا قيمها الأولى، وأن تخرج من ضيق الصراع إلى رحابة القرآن.
إن الشرفاء الحمادي حين يتحدث عن السلام لا يهادن الباطل، ولا يدعو إلى ضعف أو استسلام، بل يقدم فهما راقيا للقوة؛ فالقوي ليس من يقدر على الإيذاء، وإنما من يملك نفسه عند الغضب، ويقيم العدل حين يقدر، ويحفظ للناس إنسانيتهم حتى حين يختلف معهم. وهذا المعنى هو ما تحتاج إليه البشرية اليوم أكثر من أي وقت مضى، في عالم أتخمته الحروب، وأرهقته الكراهية، وأثبتت تجاربه المريرة أن السلاح قد يفرض صمتا مؤقتا، لكنه لا يصنع سلاما حقيقيا، وأن القوانين وحدها لا تكفي ما لم يسندها وعي أخلاقي يؤمن بأن الإنسان أخو الإنسان، وأن الأرض تتسع للجميع.
وفي زمن كثر فيه من يتحدثون باسم الدين وهم أبعد الناس عن مقاصده، تبرز قيمة فكر على الشرفاء الحمادي بوصفه صوتا يعيد الأمور إلى نصابها، ويذكر بأن الله لم يبعث رسله ليملأوا الأرض خصومة، بل ليقيموا الحجة، ويهدوا الناس إلى سواء السبيل، وأن الرسالة التي بدأت باسم الرحمة لا يجوز أن تنتهي في أيدي بعض المتحدثين عنها إلى صناعة البغضاء وسفك الدماء.
إن السلام في فكر الشرفاء الحمادي ليس موضوعا من موضوعات الكتابة، بل هو خلاصة مشروع، ومفتاح فهم، وطريق نجاة. وهو قبل ذلك وبعده وفاء لمعنى الإسلام نفسه، ذلك الدين الذي جعل تحية أهله سلاما، واسم ربهم السلام، وغاية دارهم دار السلام. ومن هنا فإن الحاجة إلى هذا الفكر لم تعد حاجة فكرية فحسب، بل حاجة إنسانية وحضارية ملحة؛ لأن العالم الذي ضل طريقه وسط ضجيج المصالح والصراعات، لا ينقذه إلا أن يعود إلى القيم التي تحفظ للإنسان إنسانيته، وللحياة معناها، وللأرض أمانها.
وهذا بالضبط ما ظل الشرفاء الحمادي ينادي به: أن نعود إلى القرآن، لا لنزيد الخلاف خلافا، بل لنسترد منه ما فقدناه من رحمة وعدل وسلام.