عاصم التجاني شمعون يكتب .. المعرفة أساس المهارة: التعليم المهني بين متطلبات السوق وإعادة بناء السودان: (تأملات في فجوة بين ما نتعلمه وما نحتاجه)

عاصم التجاني شمعون يكتب .. المعرفة أساس المهارة: التعليم المهني بين متطلبات السوق وإعادة بناء السودان: (تأملات في فجوة بين ما نتعلمه وما نحتاجه)

تمهيد: (ليس كل من يحمل شهادة يستحق وظيفة، وليس كل من يتقن حرفة يحتاج إلى شهادة): في الماضي، كان الحصول على الشهادة الجامعية يعني تقريباً الحصول على وظيفة. كان الأب يفرح عندما يقول (ولدي مهندس)، أو (بنتي دكتورة)، وكان المجتمع ينظر إلى صاحب الشهادة على أنه (ناجح)، بغض النظر عن قدرته الفعلية على الإنتاج.

أما اليوم، فقد تغير العالم. لم تعد الشهادة وحدها كافية. الشركات لا تسأل فقط: (ما شهادتك؟)، بل تسأل أيضاً: (ماذا تستطيع أن تفعل؟)، و (هل تمتلك المهارات التي نحتاجها؟). وكثير من الخريجين، للأسف، لا يستطيعون الإجابة عن هذين السؤالين.

غير أن الدفاع عن التعليم المهني لا يعني التقليل من قيمة المعرفة الأكاديمية، فالمعرفة هي الأساس الذي تُبنى عليه المهارة. والمهارة الحقيقية ليست عملاً يدوياً مجرداً، بل معرفة مطبقة على أرض الواقع. فالفني الذي يصلح محركاً حديثاً يحتاج إلى فهم مبادئ الكهرباء والإلكترونيات، والمزارع الناجح يحتاج إلى معرفة بالتربة والمناخ والبذور، كما يحتاج المهندس نفسه إلى مهارات عملية تجعل علمه قادراً على الإنتاج. ولذلك فإن القضية ليست مفاضلة بين المعرفة والمهارة، وإنما كيفية تحويل المعرفة إلى قدرة على العمل والإبداع والإنتاج.

هذا المقال هو استكمال لفكرة بدأتها سابقاً حول ربط التعليم بسوق العمل، لكن هذه المرة سأركز على نوع من التعليم طالما أهملناه، رغم أنه ربما يكون أكثر أهمية من التعليم الجامعي في كثير من الأحيان: التعليم المهني والتقني.

أولاً: سوق العمل لا يريد (نظريات)، يريد (حلولاً): تخيل أنك صاحب مصنع للأثاث. لديك ماكينات حديثة، وتريد عمالاً يشغلونها. من تفضل أن توظف؟ مهندساً ميكانيكياً يحفظ نظريات الحركة والقوى، لكنه لم يمسك أداة قط؟ أم فني تدرب على تشغيل هذه الماكينات تحديداً، ويعرف كيف يعالج أعطالها البسيطة؟ الإجابة واضحة. سوق العمل لا يريد (نظريات)، يريد (حلولاً). لا يريد شخصاً يحفظ مواصفات الخشب، يريد شخصاً يستطيع أن يصنع منه طاولة.

وهنا مربط الفرس، فكثير من شبابنا يقبلون على الجامعات رغبة في (الهيبة الاجتماعية)، ويتجنبون المعاهد المهنية والفنية لأنها (عيبة) أو (للفقراء) أو (لمن فشل في الثانوية)، هذه النظرة خاطئة تماماً، بل هي كارثية. لأنها تخلق فجوة كبيرة بين ما ندرسه وما نحتاجه، وبين عدد الخريجين وفرص العمل المتاحة.

ثانياً: أرقام تتحدث: (العالم يتجه شرقاً، ونحن ما زلنا نتمسك بالغرب): في ألمانيا، أكثر من 50% من الطلاب يلتحقون بالتعليم المهني بعد المرحلة الأساسية. في سويسرا، النسبة تتجاوز 60%. في كوريا الجنوبية، التي لم تكن قبل ستين عاماً سوى دولة فقيرة مدمرة بالحرب، تعتبر المهارات المهنية مصدر فخر وطني.

هذه الدول لم تصل إلى ما هي عليه بالشهادات فقط، بل بالعمالة الماهرة القادرة على الإنتاج. صانع السيارات الألماني ليس أقل شأناً من مهندس السيارات، بل هو شريك أساسي في عملية الإنتاج. كما إن التعليم المهني لم يعد في القرن الحادي والعشرين مقتصراً على النجارة والحدادة والكهرباء والميكانيكا، بل أصبح يشمل مجالات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة المتجددة وتشغيل الأنظمة الرقمية. ولذلك فإن الاستثمار في التعليم المهني اليوم هو استثمار في اقتصاد المستقبل، وليس فقط في مهن الحاضر.

أما في عالمنا العربي، فالنسبة المعكوسة هي الصحيحة، أقل من 10% من الطلاب يلتحقون بالتعليم المهني، والباقي يتزاحمون على كليات الهندسة والطب والآداب، والإدارة والاقتصاد، لينتجوا جيشاً من العاطلين الحاملين لشهادات لا تتوافق مع احتياجات السوق.

والسودان، رغم ظروفه الصعبة، ليس استثناءً من هذه القاعدة. بل ربما هو نموذج مأساوي لها. حرب دمرت الجامعات، وجوع شرّد الطلاب، وسوق عمل منهك لا يستوعب أحداً. فهل استمرارنا في إنتاج خريجي جامعات بالطريقة نفسها هو الحل؟ أم أننا بحاجة إلى تغيير جذري في نظرتنا للتعليم نفسه؟

ثالثاً: ماذا سيحدث بعد الحرب؟ سؤال يجب أن نستعد له الآن: الحرب في السودان ستنتهي يوماً ما. هذا مؤكد. لكن السؤال الذي لا نستعد له هو: ماذا بعد الحرب؟ الجواب واضح. مرحلة إعادة الإعمار تحتاج إلى أيدٍ ماهرة قبل أن تحتاج إلى عقول نظّارة. وإذا لم نستعد لهذه المرحلة اليوم، فلن نجد الفنيين المهرة غداً، وسنضطر إما إلى استيرادهم من الخارج (بكلفة باهظة) أو إلى تأخير عملية الإعمار لسنوات طويلة. فالبلاد ستحتاج إلى إعادة بناء كل شيء: البيوت المهدمة، الجسور المقطوعة، الكهرباء المنقطعة، المياه الملوثة، المستشفيات المدمرة، المدارس المنهوبة. وإعادة الإعمار تحتاج إلى تكامل بين المهندس الذي يخطط، والفني الذي ينفذ، والإداري الذي ينظم، والعامل الذي ينتج. فلا نهضة بلا علم، ولا علم بلا تطبيق، ولا تطبيق بلا مهارة.

رابعاً: مشكلة أكبر من الحرب: (نظرة المجتمع الخاطئة للتعليم المهني): الحرب تدمر الجامعات، لكن النظرة المجتمعية للتعليم المهني كانت مدمرة قبل الحرب وبعدها. لا يزال كثير من الأسر تعتبر أن (الفلاح) أقل من (الموظف)، وأن (النجار)، أقل من (المهندس)، وأن (السباك) أقل من (الطبيب). هذه النظرة (عنصرية طبقية)، وليست فقط خاطئة أخلاقياً، بل هي كارثية اقتصادياً.

الفلاح الذي يطعم الملايين ليس أقل من أحد. والنجار الذي يبني الأثاث ليس أقل من أحد. والسباك الذي يوفر المياه النظيفة ليس أقل من أحد. والفني الذي يصلح الأجهزة الطبية في المستشفى، قد يكون أهم في لحظة الخطر من طبيب لا يجد جهازه يعمل.

المجتمع الذي يحتقر العمل اليدوي، هو مجتمع يعيش على حساب الآخرين، وينتظر أن يقوم بهذه الأعمال (الغرباء)، أو (الفقراء) أو (الأجانب). والمجتمع الذي لا يقدر الفلاح والنجار والسباك والفني، هو مجتمع سيجوع ويعطش ويتعفن، لأن لا أحد سيبني بيوته، ولا أحد سيصلح أعطاله، ولا أحد سيزرع طعامه. نحن بحاجة إلى تغيير ثقافي عميق: العمل ليس عيباً، العيب هو البطالة والتسول والاعتماد على الآخرين. الحرفة ليست فشلاً، الفشل هو أن تكون عاجزاً عن إنتاج أي شيء نافع. الشهادة ليست غاية، الغاية هي القدرة على العطاء والإنتاج.

إذن إن الحضارات لم تبن بالشهادات المعلقة على الجدران، وإنما بالمعرفة التي تحولت إلى عمل. فكل جسر في العالم بدأ فكرة في عقل مهندس، ثم تحول إلى مهارة في يد عامل وفني. وكل مصنع ناجح هو لقاء بين العلم والعمل. ولذلك فإن المجتمع الذي يفصل بين المعرفة والمهارة يفقد الاثنين معاً؛ فلا ينتج علماً مؤثراً، ولا ينتج عملاً متقناً.

خامساً: كيف نصلح الوضع؟ خطوات عملية وعاجلة: 

1. إعادة تأهيل المعاهد المهنية والفنية: الكثير من معاهد التعليم المهني في السودان إما دمرت بالحرب، أو أهملت لأعوام، أو فقدت مدربيها. يجب البدء فوراً في إعادة تأهيلها، وتجهيزها بأحدث المعدات، وتدريب المدربين.

2. ربط التعليم المهني بسوق العمل: لا فائدة من معهد يخرج فنيين لا يحتاجهم السوق. يجب أن تكون هناك شراكة حقيقية بين المعاهد والقطاع الخاص والصناعي. الشركات والمصانع تحتاج إلى فنيين ماهرين، وهذه حاجة يمكن التخطيط لها مسبقاً.

3. حملات توعية لتغيير النظرة المجتمعية: هذا هو التحدي الأكبر. نحتاج إلى حملات إعلامية وتربوية ومجتمعية لتغيير النظرة الدونية للتعليم المهني. نحتاج إلى أن نكرم النجار والسباك والفني والمزارع كما نكرم الطبيب والمهندس. نحتاج إلى أن يشعر الفني بالفخر بحرفته، لا بالخجل منها.

4. حوافز مادية ومعنوية للخريجين: يمكن للدولة أن تقدم حوافز للشباب المقبلين على التعليم المهني، مثل منح دراسية، ورواتب مجزية، وضمانات اجتماعية. كما يمكن للقطاع الخاص أن يقدم عقود عمل للخريجين المتميزين.

5. دمج التعليم المهني مع مشاريع إعادة الإعمار: هذه فرصة ذهبية لا يجب أن تضيع. يمكن ربط المعاهد المهنية مباشرة بمشاريع إعادة الإعمار المتوقعة بعد الحرب، بحيث يتدرب الطلاب على ما سيعملون عليه فعلاً، ويكونون جاهزين للتجنيد فور تخرجهم.

خاتمة: في النهاية، أقول لكل شاب أو شابة سودانية يفكر في مستقبله: لا تخجل من تعلم حرفة. لا تخجل من أن تصبح نجاراً أو سباكاً أو ميكانيكياً أو فني كهرباء أو مزارعاً. هذه المهن هي عماد الحياة، وهي التي تبني الأوطان، وهي التي تجعل المجتمعات تعمل وتنتج وتزدهر. الشهادة الجامعية قد لا تؤمن لك وظيفة، لكن المهارة الجيدة ستؤمن لك عملاً أينما ذهبت، بل وربما تجعلك رئيساً لنفسك، صاحب مشروعك الخاص. فالسودان، بعد الحرب، سيكون في حاجة ماسة إلى كل الأيدي الماهرة. كن أنت واحداً من هؤلاء الذين يبنون، لا واحداً من الذين ينتظرون.

فالذي يصلح الكهرباء في لحظة الظلام يؤدي دوراً لا يقل أهمية عن الذي يطور نظريات الكهرباء في المختبر. وكما تحتاج الأوطان إلى العلماء والمفكرين، فإنها تحتاج أيضاً إلى الفنيين والحرفيين والمهنيين. فالتنمية الحقيقية لا تقوم على المعرفة وحدها ولا على المهارة وحدها، بل على اتحادهما في مشروع وطني يجعل العلم منتجاً، والعمل متقناً، والإنسان قادراً على بناء مستقبله بيده وعقله معاً.