أحمد شعبان يكتب… قراءة في العدد 85 من مجلة «كل حد»

أحمد شعبان يكتب… قراءة في العدد 85 من مجلة «كل حد»

يأتي العدد الخامس والثمانين من مجلة «كل حد» في سياق فكري متماسك يواصل طرح السؤال الذي بات حاضرًا بقوة في معظم إصدارات مؤسسة رسالة السلام العالمية: كيف يمكن للأمة أن تستعيد وحدتها ورسالتها الحضارية بعد قرون من الانقسام والتنازع؟

ومنذ الغلاف يعلن العدد رسالته بوضوح: «مرجعية القرآن تصنع الحضارة»، ليضع القارئ أمام قضية تتجاوز الجدل الفقهي أو الخلاف المذهبي إلى البحث في الجذور العميقة للأزمة الحضارية التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم.

يرتكز الملف الرئيسي على مقال المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان «بين المذاهب الدينية والتنظيمات السياسية»، الذي يرى أن التفرق لم يكن نتيجة اختلاف طبيعي في الفهم، بل نتيجة انتقال المرجعية من القرآن الكريم إلى منظومات بشرية متراكمة أنتجت مذاهب وطوائف وتنظيمات متنازعة. ويؤكد أن العودة إلى القرآن ليست دعوة روحية فحسب، بل مشروع لإنهاء الصراعات وإعادة بناء الإنسان والمجتمع على أسس العدل والرحمة والسلام.

وتأتي افتتاحية رئيس التحرير هشام النجار لتوسع هذه الرؤية، فترى أن استبدال الخطاب الإلهي بالمذاهب المتعددة أدى إلى تفتيت الأمة وتعطيل رسالتها الحضارية، وأن استئناف مشروع النهضة يبدأ بإعادة القرآن إلى مركز الفعل الفكري والاجتماعي.

ويكتسب العدد بعدًا عمليًا من خلال المقالات المصاحبة، حيث يطرح خالد الجمل فكرة «الإسلام الحضاري» بوصفه مشروعًا لإعادة بناء الإنسان والمجتمع، بينما تؤكد نوفر رمول أن العودة إلى القرآن تمثل مدخلًا لتجاوز الانغلاق والتعصب وإطلاق خطاب عالمي يخاطب الإنسان أينما كان.
ويطرح الاستاذ مجدى طنطاوى المدير العام للمؤسسة فى مقاله موضوع تقديس الشعائر وإهمال المقاصد ..
أما الدكتور أيمن سمير فيقدم معالجة لافتة حين يقارن مشروع علي الشرفاء بتجربة مارتن لوثر في أوروبا، معتبرًا أن جوهر الإصلاح في الحالتين يتمثل في العودة إلى النص المؤسس بعد قرون من التراكمات البشرية، وهي الفكرة التي يعززها العدد أيضًا من خلال القراءة التي يقدمها لفيلم «لوثر» في صفحته الأخيرة.

وفي الجانب الفكري المعاصر يبرز مقال أحمد شعبان محمد بعنوان «إعادة قراءة النص الديني.. ضرورة بقاء لا ترف فكري»، والذي ينطلق من أن التحديات الفكرية الحديثة لم تعد تسمح بالاكتفاء بالخطابات التقليدية، وأن بقاء الأمة وقدرتها على الإقناع والدفاع عن دينها مرهونان بقدرتها على إعادة اكتشاف كنوز القرآن وإحياء دوره في بناء الوعي.

ولا يغفل العدد البعد الدولي للمشروع الفكري، حيث يستعرض نشاط مؤسسة رسالة السلام العالمية وحضورها المكثف في عدد من المحافل الدولية والعواصم الثقافية، بما يعكس اتساع الاهتمام العالمي بخطاب السلام والتعايش الذي تتبناه المؤسسة. كما يواصل الدكتور معتز صلاح الدين التركيز على مبادرة جعل كأس العالم 2026 جسرًا للسلام بين الشعوب، باعتبار الرياضة وسيلة للتقارب الإنساني لا مجرد منافسة رياضية.

خلاصة القراءة
لا يكتفي العدد 85 من مجلة كل حد بتشخيص مشكلة الانقسام المذهبي، بل يحاول أن يربط بين وحدة المرجعية ووحدة الأمة ووحدة المشروع الحضاري. فالفكرة المركزية التي تجمع معظم مواده هي أن القرآن الكريم لم ينزل ليكون موضوعًا للخلاف، بل ليكون مرجعًا جامعًا يبني الإنسان ويقيم العدل ويقود العمران.

ومن هنا يمكن اعتبار هذا العدد أحد أكثر أعداد «كل حد» ترابطًا من حيث الفكرة والبناء؛ إذ تتكامل مقالاته المختلفة حول رسالة واحدة مفادها أن استعادة الدور الحضاري للإسلام تبدأ من استعادة مركزية القرآن في الفكر والوعي والسلوك، وأن مستقبل الأمة مرهون بقدرتها على تجاوز الانقسامات والعودة إلى الأصل المؤسس.