رامي زهدي يكتب.. اللاجئون في مصر حين تنتصر الدولة للإنسان دون التنازل عن سيادتها

رامي زهدي يكتب.. اللاجئون في مصر حين تنتصر الدولة للإنسان دون  التنازل عن سيادتها

مصر واللاجئون، بين الحقيقة والضجيج و دولة لم تغلق بابها في وجه الإنسان

ليست كل القضايا التي تشغل الرأي العام تصلح أن تدار بمنطق الانفعال، ولا كل الأصوات المرتفعة تعبر بالضرورة عن الحقيقة، فهناك ملفات تتجاوز حدود الجدل اليومي لتصبح جزءا من الأمن القومي، ومن صورة الدولة، ومن مكانتها الإقليمية، ومن مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية في محيط شديد الاضطراب، ويأتي ملف اللاجئين والفارين من الحروب والوافدين إلى مصر في مقدمة هذه الملفات، ليس فقط لأنه يرتبط بأعداد كبيرة من البشر، وإنما لأنه يكشف في كل مرة عن الفارق بين الدولة التي تدير الأزمات بعقل، والمجتمع الذي قد يقرأ المشهد أحيانا بعاطفة أو تحت تأثير الشائعات أو الضغوط الاقتصادية.

ومنذ اندلاع موجات الصراعات المسلحة في الإقليم، بدءا من السودان وليبيا وسوريا واليمن مرورا ببعض دول القرن الإفريقي، لم تتعامل مصر مع القضية باعتبارها أزمة حدود، وإنما باعتبارها قضية إنسانية وأمنية واستراتيجية في آن واحد، فلم تنشئ مخيمات عزل ضخمة كما فعلت دول عديدة، ولم تغلق أبوابها أمام الفارين من الموت، ولم تحول الإنسان إلى رقم في معسكر انتظار، وإنما تبنت نموذجا مختلفا يقوم على دمج الوافدين داخل المجتمع، وتمكينهم من الوصول إلى الخدمات الأساسية بصورة تقترب كثيرا مما يحصل عليه المواطن المصري في مجالات التعليم والصحة والخدمات اليومية، وهو نموذج أصبح محل إشادة متكررة من الأمم المتحدة وعدد من المؤسسات الدولية.

غير أن أولى الإشكاليات التي ينبغي تصحيحها تتمثل في الخلط بين المصطلحات، وهو خلط أدى إلى تشويش واسع في النقاش العام، فليس كل أجنبي يقيم في مصر لاجئا، وليس كل وافد فارا من حرب، وليس كل من يحمل جنسية غير مصرية يتمتع بالوضع القانوني ذاته.

فالأجنبي المقيم هو أي شخص يحمل جنسية دولة أخرى ويقيم داخل مصر بصورة قانونية أو مؤقتة، سواء كان مستثمرا أو طالبا أو عاملا أو مرافقا لأسرته أو متقاعدا أو مقيما بغرض الدراسة أو العلاج أو غير ذلك من الأغراض التي ينظمها القانون المصري.

أما اللاجئ، فهو شخص اضطر إلى مغادرة بلده نتيجة خوف مبرر من الاضطهاد أو الحرب أو النزاعات المسلحة أو الانتهاكات الجسيمة، وحصل على اعتراف قانوني بهذه الصفة وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين أو من خلال الجهات المختصة.

ويختلف عن ذلك طالب اللجوء، وهو الشخص الذي تقدم بطلب للحصول على صفة لاجئ ولم يصدر بعد القرار النهائي بشأن طلبه.

أما الفار من الحرب فهو وصف إنساني وسياسي أكثر منه توصيفا قانونيا، إذ قد يكون الشخص قد هرب بالفعل من العمليات العسكرية لكنه لم يستكمل إجراءات اللجوء أو لم يسجل لدى الجهات المختصة، وبالتالي لا يكتسب تلقائيا الصفة القانونية للاجئ.

وفي المقابل يوجد المهاجر غير النظامي، وهو شخص دخل دولة ما أو أقام فيها بالمخالفة للقوانين المنظمة للدخول أو الإقامة، وهو توصيف قانوني مختلف تماما عن اللجوء، إذ لا يرتبط بالضرورة بالحروب أو الاضطهاد.

هذا التفريق ليس ترفا قانونيا، وإنما ضرورة لفهم الواقع وعدم الوقوع في تعميمات تظلم فئات كاملة أو تخلط بين أوضاع متباينة جذريا.

وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر تجاوز مليون شخص خلال عام 2026، يأتي السودانيون في مقدمتهم بنسبة تقارب ثلاثة أرباع الإجمالي، يليهم السوريون ثم الإريتريون والإثيوبيون واليمنيون وجنسيات أخرى من أكثر من ستين دولة، إلا أن الحكومة المصرية تؤكد في المقابل أن إجمالي الأجانب المقيمين على الأراضي المصرية يقترب من عشرة ملايين شخص، وهو رقم يشمل المستثمرين والطلاب والعمال والمقيمين والوافدين بمختلف أوضاعهم القانونية، وليس اللاجئين وحدهم.

ومن هنا يبدأ الالتباس الذي ينعكس على النقاش المجتمعي، فحين يسمع المواطن أن مصر تستضيف عشرة ملايين شخص، يتصور تلقائيا أن جميعهم لاجئون يحصلون على مزايا استثنائية، بينما الحقيقة أكثر تعقيدا بكثير، إذ إن هذه الفئات تختلف قانونيا واقتصاديا واجتماعيا، كما تختلف مصادر دخلها، وأسباب وجودها، وحقوقها، والتزاماتها.

وإذا كان تصحيح المفاهيم يمثل الخطوة الأولى، فإن قراءة الأبعاد الاستراتيجية للقضية تمثل الخطوة الأكثر أهمية، فالدول الكبرى لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما أيضا بقدرتها على إدارة التدفقات البشرية التي تفرضها الأزمات الإقليمية، وتحويلها من مصدر تهديد إلى ملف يخضع لسياسات واضحة وتوازنات دقيقة، ومصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي، لم تكن يوما بعيدة عن محيطها، ولذلك لم يكن من الممكن أن تتعامل مع انهيار الدولة في ليبيا، أو الحرب في السودان، أو الأزمة السورية، أو اضطرابات القرن الإفريقي بمنطق المتفرج.

لقد اختارت الدولة المصرية منذ البداية نموذجا يختلف عن كثير من التجارب الدولية، فلم تلجأ إلى إقامة مخيمات مغلقة واسعة النطاق تعزل اللاجئين عن المجتمع، بل سمحت لهم بالعيش داخل المدن والقرى، والاستفادة من المدارس الحكومية، والحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية، وممارسة الأنشطة الاقتصادية وفقا للأطر القانونية المنظمة. 

هذا النموذج، رغم تكلفته الكبيرة، حافظ على الكرامة الإنسانية، وحد من ظواهر العزل والتهميش التي أفرزت في دول أخرى أزمات اجتماعية وأمنية ممتدة.

ولا يمكن إنكار أن هذا النهج ترتبت عليه أعباء اقتصادية حقيقية، فمصر تواجه منذ سنوات تحديات اقتصادية معقدة، تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وضغوط سعر الصرف، وتزايد كلفة الدعم والخدمات العامة، وارتفاع فاتورة الاستيراد، إلى جانب النمو السكاني الطبيعي، وفي ظل هذه المعطيات، فإن استيعاب ملايين الأجانب بمختلف فئاتهم يعني ضغوطا إضافية على شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، والمدارس، والمستشفيات، ووسائل النقل، وسوق الإسكان، وسوق العمل، والسلع الأساسية.

وتشير تقديرات الحكومة المصرية إلى أن تكلفة استضافة الأجانب والوافدين بمختلف فئاتهم تقدر بمليارات الدولارات سنويا، في وقت لا تغطي فيه المساعدات الدولية سوى نسبة محدودة من الاحتياجات الفعلية، وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ فبينما تطالب قوى دولية عديدة الدول المستقبلة بالقيام بواجباتها الإنسانية، فإن حجم التمويل الدولي المقدم غالبا ما يظل أقل بكثير من حجم الأعباء التي تتحملها هذه الدول على أرض الواقع.

لكن القراءة الاقتصادية الموضوعية تقتضي أيضا تجنب التعميم، فليس كل وافد يمثل عبئا على الاقتصاد، كما أن ليس كل وجود أجنبي ينعكس سلبا على سوق العمل، فهناك آلاف المستثمرين الذين ضخوا رؤوس أموال في السوق المصرية، وآلاف الشركات التي أسسها وافدون، وآلاف العمالة التي أسهمت في سد فجوات إنتاجية في بعض القطاعات، إضافة إلى الطلب الاستهلاكي الذي نشط قطاعات التجارة والعقارات والخدمات والنقل، وفي المقابل، توجد تحديات حقيقية تتعلق بالمنافسة في بعض المهن، وارتفاع الطلب على الإسكان، وزيادة الضغط على المرافق العامة، وهي تحديات لا ينبغي إنكارها أو المبالغة فيها، وإنما إدارتها بسياسات رشيدة.

ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: هل يمثل اللاجئون والوافدون عبئا أم فرصة؟ بل كيف تدير الدولة هذا الملف بحيث تقلل الأعباء وتعظم العوائد، وتحافظ في الوقت ذاته على الأمن القومي والالتزامات الإنسانية.

إن الدولة الحديثة لا تدار بالشعارات، وإنما بالسياسات العامة، ومن ثم فإن المطلوب ليس خطابا عاطفيا يدعو إلى فتح الحدود بلا ضوابط، ولا خطابا متشددا يختزل البشر في أرقام أو ينظر إليهم باعتبارهم خطرا مطلقا، وإنما سياسة وطنية متوازنة تقوم على عدة مرتكزات؛ ضبط الحدود ومنع الهجرة غير النظامية، وتسجيل جميع الوافدين، وتسوية الأوضاع القانونية، وربط الإقامة بالضوابط المنظمة، وتوسيع قاعدة البيانات، والتعاون مع المنظمات الدولية لتحمل نصيبها من المسؤولية المالية والفنية، مع الحفاظ على البعد الإنساني الذي عرفت به مصر عبر تاريخها.

ولا يمكن فهم الانقسام المجتمعي حول هذه القضية بمعزل عن الواقع الاقتصادي، فالمواطن الذي يواجه ضغوط المعيشة قد يربط تلقائيا بين ارتفاع أسعار الإيجارات أو ازدحام المدارس أو المنافسة في بعض الأنشطة الاقتصادية وبين وجود أعداد كبيرة من الوافدين، بينما يرى آخرون أن هؤلاء أنفسهم فروا من الموت والحروب، وأن قيم المجتمع المصري وتاريخه لا يسمحان بالتخلي عنهم، وبين هذين الموقفين تتسع مساحة تحتاج إلى خطاب عقلاني يفرق بين المشاعر والحقائق، وبين الوقائع والانطباعات.

إن تحميل اللاجئين وحدهم مسؤولية الأزمات الاقتصادية يمثل تبسيطا شديدا لمشكلة أكثر تعقيدا، كما أن تجاهل التأثيرات الفعلية لزيادة عدد السكان المقيمين على الخدمات العامة لا يقل خطأ عن ذلك، فالإدارة الرشيدة تبدأ بالاعتراف بالوقائع كاملة، لا باختيار جزء منها وإهمال الجزء الآخر.

وعلى المستوى الدولي، تنظر مؤسسات الأمم المتحدة وشركاء التنمية إلى التجربة المصرية باعتبارها واحدة من أكثر التجارب توازنا في المنطقة، خصوصا في ما يتعلق بعدم إنشاء مخيمات لجوء واسعة، وإتاحة الوصول إلى الخدمات الأساسية، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي رغم الأعداد الكبيرة من الوافدين، كما ينظر كثير من الشركاء الأوروبيين إلى استقرار مصر باعتباره عاملا رئيسيا في الحد من موجات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو ما يفسر تنامي برامج التعاون والدعم في مجالات إدارة الحدود والتنمية وبناء القدرات.

وفي المقابل، فإن شهادات كثير من السودانيين والسوريين وغيرهم ممن يعيشون في مصر تعكس تقديرا واضحا لطبيعة المجتمع المصري، ولإمكانية الاندماج في الحياة اليومية دون الشعور بالعزل أو الوصم الاجتماعي، ورغم ما يواجهونه من تحديات اقتصادية ومعيشية، فإن عددا كبيرا منهم يعتبر أن مصر وفرت لهم بيئة آمنة وحياة كريمة مقارنة بظروف الحرب أو النزوح التي خرجوا منها.

غير أن نجاح التجربة المصرية لا يعني أنها بلا تحديات، ولا أن استمرارها يمكن أن يعتمد على الموارد الوطنية وحدها، فكلما زادت الأزمات الإقليمية، زادت الضغوط على الدول المستقبلة، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي الانتقال من مرحلة الإشادة السياسية إلى مرحلة تقاسم الأعباء بصورة أكثر عدلا، سواء من خلال التمويل أو الاستثمار أو دعم البنية الأساسية أو برامج التنمية في المجتمعات المستضيفة.

مصر لم تتعامل مع الإنسان باعتباره جنسية او جواز سفر، وإنما باعتباره إنسانا يحتاج إلى الأمان، لكنها في الوقت ذاته دولة ذات سيادة، ومن حقها أن تنظم الإقامة، وأن تضبط الحدود، وأن تطبق القانون على الجميع دون استثناء، ولا يوجد أي تعارض بين حماية الأمن القومي واحترام الكرامة الإنسانية، بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع الجمع بين الأمرين دون إفراط أو تفريط.

وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الفرصة، فمصر تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتحويل جزء من هذا الوجود البشري إلى قيمة مضافة عبر دمج الكفاءات، وتشجيع الاستثمار، وتنظيم سوق العمل، وتوسيع الشراكات مع المؤسسات الدولية، وربط الدعم الدولي بخطط تنموية واضحة تعود بالنفع على المواطن المصري والمقيم على حد سواء.

لقد علمتنا الجغرافيا أن مصر كانت دائما ملاذا عند الشدائد، وعلمنا التاريخ أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن حدودها، وإنما أيضا بقدرتها على حماية قيمها، وبين مقتضيات الأمن القومي وواجبات الإنسانية، نجحت مصر حتى الآن في السير على خيط بالغ الدقة، لكن استمرار هذا النجاح يتطلب خطابا وطنيا مسؤولا، وتشريعات أكثر تطورا، وشراكة دولية أكثر عدالة، ووعيا مجتمعيا يفرق بين الحقائق والشائعات، وبين النقد المشروع وخطاب الكراهية، وبين حماية الوطن وإغلاق أبوابه في وجه الملهوف.

فالقضية في جوهرها ليست قضية لاجئين أو وافدين، وإنما قضية دولة تعرف وزنها، وتدرك مسؤولياتها، وتعي أن الإنسانية ليست نقيضا للمصلحة الوطنية، وأن السيادة لا تتعارض مع الرحمة، وأن مصر، كما كانت عبر تاريخها، قادرة على أن تكون قوية وهي عادلة، وحازمة وهي إنسانية، وصاحبة قرار وهي صاحبة رسالة.

وإذا كانت مصر قد نجحت حتى الآن في إدارة هذا الملف بكفاءة معقولة رغم محدودية الموارد وتعاظم الضغوط، فإن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من سياسة الاستجابة إلى سياسة الاستباق، ومن إدارة التدفقات البشرية إلى إدارة التحولات الجيوسياسية التي تنتجها، فالأزمات الممتدة في السودان وليبيا ومنطقة القرن الإفريقي والساحل وغرب إفريقيا لم تعد أحداثا عابرة، وإنما أصبحت جزءا من واقع إقليمي جديد يعيد تشكيل خرائط السكان، وحركة التجارة، وأنماط الاستثمار، وموازين النفوذ، وهو ما يستوجب أن تمتلك مصر استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة ملف اللجوء والهجرة والوافدين، لا باعتباره ملفا أمنيا أو إنسانيا فقط، وإنما باعتباره أحد ملفات الأمن القومي والتخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة.

والدولة المصرية مطالبة اليوم بوضع إطار مؤسسي دائم يدمج بين اعتبارات الأمن القومي والسياسة الخارجية والاقتصاد والاستثمار وسوق العمل والتعليم والصحة والإدارة المحلية، بحيث يصبح لكل وزارة ولكل مؤسسة دور محدد داخل منظومة وطنية واحدة، قادرة على إدارة البيانات، واستشراف المخاطر، وقياس التأثيرات، وتعظيم الفرص. 

كما أن الوقت قد حان لإطلاق مرصد وطني للهجرة واللجوء والتحولات السكانية، يعتمد على قواعد بيانات دقيقة، ويصدر تقارير دورية تساعد صانع القرار على بناء السياسات استنادا إلى المعلومات لا إلى الانطباعات، وإلى الوقائع لا إلى الشائعات.

وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تتحول هذه القضية إلى أحد محاور السياسة الخارجية المصرية تجاه إفريقيا والمنطقة، فكلما استقرت الدول الإفريقية، تراجعت موجات النزوح والهجرة القسرية، ولذلك فإن الاستثمار في السلام، ودعم بناء مؤسسات الدولة الوطنية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتوسيع مشروعات البنية التحتية العابرة للحدود، وتمويل التنمية، لم يعد عملا تضامنيا فحسب، بل أصبح استثمارا مباشرا في الأمن القومي المصري، فالتنمية في إفريقيا والمنطقة لم تعد شأنا خاصا، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن والاستقرار في مصر.

ومن هنا، فإن توجه مصر نحو إفريقيا والمنطقة لا ينبغي النظر إليه باعتباره رؤية للتوسع الاقتصادي أو تعميق العلاقات الدبلوماسية فحسب، وإنما باعتباره مشروعا وطنيا متكاملا لإعادة صياغة الدور المصري داخل القارة والمنطقة، يقوم على فلسفة الشراكة لا الوصاية، والمصالح المتبادلة لا المساعدات التقليدية، وبناء الاعتماد المتبادل لا العلاقات الموسمية. فكل مدرسة تبنى، وكل طريق يربط، وكل منطقة صناعية تقام، وكل مشروع للطاقة أو المياه أو الأمن الغذائي ينجح داخل القارة والمنطقة، هو في حقيقته مساهمة مباشرة في تقليص دوافع الهجرة القسرية، والحد من النزاعات، وخلق بيئة أكثر استقرارا لمصر ولإفريقيا وللمنطقة معا.

إن التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا تفرض التحديات، لكن السياسة الرشيدة هي التي تحولها إلى فرص، ومصر، بما تمتلكه من رصيد حضاري، وثقل سياسي، وموقع جغرافي، وخبرة مؤسسية، قادرة على أن تقود نموذجا إفريقيا وعربيا متقدما في إدارة قضايا اللجوء والهجرة والتنمية، نموذجا لا يقوم على إغلاق الأبواب، ولا على فتحها بلا ضوابط، وإنما على معادلة دقيقة تجمع بين السيادة والإنسانية، وبين القانون والرحمة، وبين حماية الوطن وتعزيز دوره الإقليمي، وهذه هي المعادلة التي تليق بمصر، وتليق بتاريخها، وتليق بمستقبلها.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا نريد من هذا الملف؟ هل نريده ساحة للاستقطاب والمزايدة، أم نريده نموذجا جديدا يعكس قدرة الدولة المصرية على إدارة واحدة من أعقد قضايا القرن الحادي والعشرين؟

في تقديري، لم يعد من المقبول أن يظل النقاش محصورا بين من يطالب بفتح الأبواب بلا ضوابط، ومن يدعو إلى إغلاقها بلا استثناء، فكلا الطرحين يفتقد إلى الواقعية، ولا يخدم المصلحة الوطنية، فالدولة الرشيدة لا تدار بردود الأفعال، وإنما تبنى على سياسات عامة متماسكة، تستند إلى القانون، وتحكمها المصلحة الوطنية، دون أن تتخلى عن مسؤوليتها الإنسانية أو دورها الحضاري.

مصر ليست دولة هجرة تقليدية، وليست دولة لجوء بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي دولة ارتبط أمنها القومي دائما باستقرار محيطها العربي والإفريقي، ولذلك فإن كل أزمة تندلع في السودان أو ليبيا أو اليمن أو القرن الإفريقي أو منطقة الساحل، لا تقف آثارها عند حدود تلك الدول، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الداخل المصري، سواء عبر حركة السكان، أو اضطراب التجارة، أو تنامي الجريمة المنظمة، أو تصاعد مخاطر الإرهاب، أو الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن إدارة ملف اللاجئين والوافدين ليست سياسة اجتماعية فحسب، بل هي جزء أصيل من منظومة الأمن القومي المصري، ومن أدوات السياسة الخارجية، ومن معادلة التنمية، ومن رؤية الدولة لدورها في محيطها الإقليمي والقاري، وكلما نجحت مصر في إدارة هذا الملف بكفاءة، ازدادت قدرتها على حماية مصالحها، وتعزيز مكانتها، وترسيخ صورتها كدولة مسؤولة تمتلك من الحكمة بقدر ما تمتلك من القوة.

كما أن المجتمع الدولي مطالب اليوم بالانتقال من مرحلة الإشادة بالدور المصري إلى مرحلة تقاسم المسؤولية بصورة عادلة، فلا يمكن أن تظل الدول المستقبلة تتحمل وحدها الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية لأزمات لم تكن طرفا في صنعها، بينما يقتصر الدعم الدولي على برامج محدودة لا تتناسب مع حجم الواقع وتعقيداته. 

العدالة الدولية لا تعني إصدار بيانات تقدير، وإنما تعني تحمل الأعباء بصورة متوازنة، وتمكين الدول المضيفة من الاستمرار في أداء دورها دون أن يكون ذلك على حساب أولوياتها التنموية واحتياجات مواطنيها.

وفي المقابل، فإن من حق المواطن المصري أن يطمئن إلى أن الدولة تدير هذا الملف وفق قواعد واضحة، تحمي الأمن القومي، وتنظم الإقامة، وتطبق القانون على الجميع دون تمييز، وتضمن ألا تتحول الاستضافة الإنسانية إلى عبء دائم أو إلى واقع خارج السيطرة، فالشفافية في عرض الحقائق، وتحديث البيانات، وإعلان السياسات بوضوح، هي الضمانة الأساسية لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ولإغلاق الباب أمام الشائعات وخطابات الكراهية والتوظيف السياسي الرخيص.

مصر، عبر تاريخها الطويل، ملاذا لكل من ضاقت به الأرض، لكنها لم تكن يوما دولة تتخلى عن سيادتها، أو تساوم على أمنها، أو تفرط في مصالحها، وهذه المعادلة الدقيقة هي التي ينبغي الحفاظ عليها؛ دولة قوية بقانونها، عادلة في سياساتها، إنسانية في مواقفها، وواعية بأن الأمن القومي لا ينفصل عن الكرامة الإنسانية، وأن الرحمة لا تتعارض مع الحزم، وأن احترام الإنسان لا يعني التهاون في تطبيق القانون.

وأحسب أن المستقبل سيمنح الأفضلية للدول التي تستطيع تحويل الأزمات إلى فرص، والضغوط إلى أدوات قوة، والتحديات إلى مسارات للتأثير الإقليمي، ومصر تملك كل المقومات التي تؤهلها لذلك، إذا ما أحسنت توظيف موقعها، وخبرتها، وعلاقاتها الإفريقية والعربية، وبنت استراتيجية وطنية شاملة لإدارة ملفات الهجرة واللجوء والتحولات السكانية، باعتبارها جزءا من مشروع أكبر لاستعادة الدور المصري في إفريقيا وصياغة شراكات تنموية حقيقية تعالج جذور الأزمات بدلا من الاكتفاء بإدارة نتائجها.

وهكذا، فإن القضية ليست في عدد من عبروا الحدود، بل في قدرة الدولة على إدارة الحدود، وليست في جنسية من لجأوا إلى مصر، بل في كيفية صون حقوق المصريين، واحترام القانون، والوفاء بالواجب الإنساني في آن واحد. تلك هي المعادلة التي تليق بمصر،وهي الدولة التي تعرف قيمة الإنسان، وتعرف أيضا قيمة الدولة.