عاصم التجاني شمعون يكتب.. تعليم المرأة: استثمار في نصف المجتمع أم بناء للمجتمع كله؟

عاصم التجاني شمعون يكتب..  تعليم المرأة: استثمار في نصف المجتمع أم بناء للمجتمع كله؟

كثيراً ما يُطرح تعليم المرأة وكأنه قضية تخص النساء وحدهن، أو مطلب اجتماعي لفئة معينة من المجتمع. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فتعليم المرأة ليس قضية نسوية فحسب، بل قضية تنموية ووطنية تمس حاضر المجتمع ومستقبله. فعندما يتعلم رجل واحد، يستفيد فرد واحد في الغالب. أما عندما تتعلم امرأة، فإن الفائدة تمتد إلى أسرة كاملة، وربما إلى جيل كامل. ولهذا السبب لم يعد تعليم المرأة في عالم اليوم يُنظر إليه باعتباره حقاً إنسانياً فقط، بل باعتباره أحد أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها أي دولة تسعى إلى التنمية والاستقرار والتقدم. وفي السودان، كما في كثير من الدول العربية، لا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية أو إعادة إعمار أو تنمية مستدامة دون أن تكون المرأة شريكاً كاملاً في عملية التعليم والبناء والإنتاج.

أولاً: رحلة طويلة من أجل التعليم: لم يكن طريق تعليم المرأة سهلاً في المجتمعات العربية. فقد مرت عقود طويلة كانت فيها فرص التعليم متاحة للذكور أكثر من الإناث، وكانت بعض الأسر ترى أن تعليم البنت أقل أهمية من تعليم الولد. لكن الزمن أثبت خطأ هذه النظرة. فمع توسع التعليم خلال العقود الماضية، ظهرت آلاف النماذج الناجحة من الطبيبات والمعلمات والباحثات والمهندسات والإداريات ورائدات الأعمال. وأثبتت المرأة العربية أنها قادرة على النجاح والإبداع متى ما توفرت لها الفرصة. واليوم أصبحت نسبة كبيرة من الطالبات في الجامعات العربية تساوي أو تتجاوز أحياناً نسبة الطلاب الذكور في بعض التخصصات، وهو تطور مهم يعكس تغيراً إيجابياً في وعي المجتمع. لكن رغم هذا التقدم، ما تزال هناك تحديات تمنع كثيراً من الفتيات من إكمال تعليمهن، خاصة في المناطق الريفية أو الفقيرة أو المتأثرة بالنزاعات والحروب.

ثانياً: لماذا يرتبط تعليم المرأة بالتنمية؟: هناك سؤال بسيط يمكن أن يجيب عن الكثير من الأسئلة: لماذا تهتم الدول المتقدمة بتعليم المرأة؟ الجواب لأن تعليم المرأة لا ينعكس على المرأة وحدها، بل على المجتمع كله. فالمرأة المتعلمة تكون أكثر قدرة على:

1. رعاية أسرتها صحياً.

2. متابعة تعليم أبنائها.

3. اتخاذ قرارات أفضل داخل الأسرة.

4. المساهمة في الاقتصاد.

5. المشاركة في الحياة العامة.

ولهذا نجد أن الدول التي ترتفع فيها معدلات تعليم النساء غالباً ما تحقق مستويات أعلى من التنمية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالتعليم لا يضيف معرفة فقط، بل يضيف قدرة على التفكير والتخطيط والإنتاج والمشاركة في صنع المستقبل.

ثالثاً: الأم المتعلمة تصنع جيلاً متعلماً: ربما يكون أعظم أثر لتعليم المرأة هو أثره على الأجيال القادمة. فالطفل يتعلم أول دروسه في الحياة داخل المنزل قبل أن يدخل المدرسة. ومن هنا تأتي أهمية الأم. فالأم المتعلمة تستطيع أن:

1. تشجع أبناءها على القراءة.

2. تتابع دراستهم.

3. تغرس فيهم قيم العمل والانضباط.

4. تساعدهم على بناء طموحاتهم المستقبلية.

ولهذا فإن كثيراً من الدراسات تؤكد وجود علاقة قوية بين مستوى تعليم الأم ومستوى نجاح الأبناء في الدراسة والحياة. وبمعنى آخر، فإن تعليم فتاة واحدة اليوم قد ينعكس إيجاباً على عشرات الأطفال في المستقبل.

رابعاً: المرأة وسوق العمل: لم يعد الاقتصاد الحديث يعتمد على الرجال وحدهم. فالدول التي نجحت في تحقيق قفزات اقتصادية كبيرة لم تفعل ذلك بنصف طاقتها البشرية، بل بكل طاقتها. وعندما تدخل المرأة سوق العمل بصورة مؤهلة ومنظمة فإنها تضيف للمجتمع:

1. خبرات جديدة.

2. إنتاجية أكبر.

3. دخلاً إضافياً للأسر.

4. قدرة أعلى على مواجهة الفقر.

وفي السودان ستكون المرأة جزءاً أساسياً من عملية إعادة الإعمار بعد الحرب. فالبلاد ستحتاج إلى المعلمات والطبيبات والممرضات والمهندسات والإداريات والباحثات ورائدات الأعمال. وكلما ارتفع مستوى تعليم المرأة، ازدادت قدرتها على الإسهام في بناء الاقتصاد الوطني.

خامساً: التحديات التي ما تزال قائمة: رغم التقدم الكبير، ما تزال هناك عقبات حقيقية تواجه تعليم المرأة. من أهمها:

1. التحديات الاقتصادية: بعض الأسر الفقيرة تضطر إلى إخراج بناتها من المدرسة بسبب الظروف المعيشية الصعبة.

2. النزاعات والحروب: الحروب غالباً ما تكون أكثر قسوة على تعليم الفتيات، لأنها تدمر المدارس وتدفع الأسر إلى النزوح.

3. بعض الموروثات الاجتماعية: ما تزال بعض البيئات تنظر إلى تعليم الفتاة باعتباره أمراً ثانوياً مقارنة بتعليم الذكور.

4. ضعف البنية التعليمية: في بعض المناطق لا تتوفر مدارس كافية أو وسائل نقل آمنة تساعد الفتيات على مواصلة التعليم.

وهذه التحديات لا يمكن معالجتها بالشعارات فقط، بل تحتاج إلى سياسات تعليمية واجتماعية واقتصادية متكاملة.

سادساً: تعليم المرأة ليس قضية نسائية بل قضية وطنية: الخطأ الشائع هو الاعتقاد أن تعليم المرأة قضية تخص النساء وحدهن. لكن الحقيقة أن المجتمع كله يستفيد من المرأة المتعلمة. فالاقتصاد يستفيد. والأسرة تستفيد. والأطفال يستفيدون. والصحة العامة تتحسن. والتنمية تتسارع. ولهذا فإن الاستثمار في تعليم المرأة ليس إنفاقاً اجتماعياً، بل استثمار طويل الأجل في مستقبل الوطن نفسه.

سابعاً: التعليم التقني والمهني للمرأة: بوابة التمكين الحقيقي: ولا ينبغي أن يقتصر الحديث عن تعليم المرأة على التعليم الأكاديمي الجامعي فقط. فالتعليم التقني والمهني للنساء لا يقل أهمية، بل قد يكون أكثر إلحاحاً في بعض الظروف. ففي الوقت الذي تتزاحم فيه آلاف الفتيات على كليات الآداب والتربية والإدارة، هناك فرص كبيرة في مجالات التمريض، والتجميل، والخياطة، والصناعات الغذائية، والحرف اليدوية، وإدارة المشاريع الصغيرة، والتسويق الرقمي.

هذه المهارات لا تحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة، لكنها تفتح أبواباً واسعة للعمل والاستقلال المالي. وهي مناسبة خاصة للفتيات في المناطق الريفية، أو اللواتي اضطرتهن ظروف الحرب إلى ترك الدراسة، أو اللواتي يسعين إلى مصدر دخل يعين أسرهن. وفي مرحلة إعادة الإعمار، ستكون الحاجة إلى النساء الماهرات في هذه المجالات كبيرة جداً. فالمجتمع بحاجة إلى ممرضات، ومشغلات معامل، وفنيات أسنان، ومتخصصات في رعاية الأطفال والمسنين، وحرفيات ماهرات في الصناعات اليدوية والغذائية.

ولهذا يجب أن تتضمن خطط التعليم في السودان برامج تدريبية وتقنية ومهنية موجهة للنساء، وأن ترتبط هذه البرامج باحتياجات السوق الفعلية، وأن تحظى بتشجيع المجتمع والدولة معاً. لأن تمكين المرأة اقتصادياً لا يقل أهمية عن تمكينها أكاديمياً، وكثيراً ما يكون أسرع طريق نحو الاستقلالية والكرامة والمساهمة الفاعلة في بناء المجتمع.

ثامناً: ماذا يحتاج السودان اليوم؟: إذا أراد السودان بناء مستقبل أفضل، فإن من الضروري:

1. توسيع فرص تعليم الفتيات في جميع الولايات.

2. دعم الأسر الفقيرة لمواصلة تعليم بناتها.

3. إعادة تأهيل المدارس المتضررة من الحرب.

4. توفير بيئة تعليمية آمنة.

5. تعزيز مشاركة المرأة في التعليم التقني والمهني.

6. تشجيع المبادرات المجتمعية الداعمة لتعليم الفتيات.

فالنهضة لا تبنى بنصف المجتمع فقط. ولا يمكن أن يتحقق التقدم بينما تبقى طاقات كبيرة معطلة أو مهمشة.

في النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نستثمر في تعليم المرأة؟ بل السؤال هو: هل نستطيع بناء مجتمع قوي من دون تعليم المرأة؟ والجواب واضح. فكل مدرسة تُفتح أمام فتاة هي نافذة تُفتح أمام المستقبل. وكل سنة تعليم إضافية تحصل عليها امرأة هي إضافة إلى رصيد المعرفة والإنتاج والاستقرار في المجتمع كله. ولهذا فإن تعليم المرأة ليس استثماراً في نصف المجتمع، كما يقال عادة، بل هو استثمار في المجتمع كله. لأن المرأة المتعلمة لا تبني نفسها فقط، بل تبني أسرة، وتصنع جيلاً، وتشارك في بناء وطن بأكمله. الأوطان القوية تقاس بعدد العقول التي تمتلكها، والفرص التي تتيحها لأبنائها وبناتها على حد سواء. وعندما تتعلم المرأة، لا يرتفع مستوى فرد واحد، بل يرتفع وطن بأكمله خطوة نحو المستقبل.