هبه السهيت تكتب مقاربة لقصة "هدية السماء " من المجموعة القصصية " دموع الورد" للكاتب حسام أبو العلا
بدأت السردية بوصف حالة الراوي النفسية والتي تُنبئ عن أزمة وجودية عميقة. حشد فيها الراوي من معجم اليأس كلمات دالة ذات معانٍ متراكبة، فدل التكرار على تأكيد وتكريس معاني اليأس.
فجاءت تعبيرات: (الإحباط وخيبة الأمل والتجارب المريرة) المتتابعة بلا فواصل، بل استخدم صيغة الجمع في (إحباطات) لتدل بذاتها على التعدد والتكاثر الذي يجلُّ عن العد والإحصاء فكان كل ذلك استهلالا سوداويا كطلقات رصاصٍ كثيفة متتابعة كونت حقلا دلاليا من السوداوية واليأس.
-وكانت تلك الاستهلالية مبررا لتفكيره في طريق للخلاص، وبدأ التفكير بشكل متدرج من تداعي الأفكار، فكان حلّ السفر
حيث الابتعاد عن كل مشاكله، مغادرة المكان والبيئة والناس، والذهاب الى بلد غريب، وفيه نوعٌ من العزلة النفسية لكنها ليست بقسوة العزلة في وطنه وبين ذويه.
وفي السفر تخفيف مما يعانيه ويعايشه. فالمجتمع جغرافيا جديد؛ يشغله عن إحباطاته، ويُخلى كاهله عن أحماله ويجدد نشاط النفس دون أثقال وواجبات.
- لكن هذه الفكرة على جودتها، وجدها خارج إطار إمكانياته العمرية والبدنية، بل والنفسية حيث يقول (ولكنني صرت في مرحلة متقدمة من العمر).
- هنا يظهر العائق البدني، ثم يقول :(ولن أتحمل أعباء الغربة) وهذا هو العائق النفسي، والحقيقة أن العامل الأخير أي النفسي هو العامل الأهم والحاسم، وإن أخَّره الراوي لأنه ربما لمح فيه ضعفا. فقد نوَّه فيما بعد أنه على رأس عمله. وبالتالي فالعائق البدني لا يمثل عائقا كما ادعى.
- هنا " خطر في باله" أي وقع في عقله دون سابق قصد أو روية فكر. وسمى الفكرة: (حيلة) لأن الحيلة لغةَ:
هي أن يدور حول الأمر ليدركه. وهو لفظ مناسب للفكرة التي سينفذها.
ثم عاد وشبه ما هو مقدم عليه بأنها (أشبه بفكرة مجنونة)
وهنا اجتمعت ثلاث كلمات تعبر عما هو بصدده، أولا فكرة لم يسبقها تدبر، ثم هي حيلة، أي تقتضي الدوران حول الهدف دون مواجهته بشكل مباشر لاقتناصه، ثم هي أشبه بالجنون، لأنها تخرج عن المألوف، بل عن العقل الطبيعي.
وفي ذلك دقة في الوصف ودقة في اختيار الكلمات ليُكَوّن حقلا دلاليا جديدا هدفه رفع توقعات القارئ والتشويق للاستمرار واستكشاف هذه الفكرة.
-ثم بين مبرر هذه الفكرة بتشبيهها ب(الغربال)، والغربال وظيفته فصل الجيد من الرديء، لكنه غربال بشري يميز به المخلص من المنافق، أو الذي يحبه لشخصه من الذي يحبه لما يعود عليه من الفوائد من صحبته.
- ولإتقان الحيلة استعان بصديقه المتخصص في الطب النفسي ليدربه على تصرفات المريض النفسي.
وهذه الفقرة تساهم في إضفاء المنطقية على السياق وتغلق ثغرات لدى القارئ.
- يقول:
- "بدأت فصول هذه التجربة العبثية"
هذه العبارة تدل على أنه من أجل إقناع من حوله بمرضه النفسي، فإن الأمر احتاج الى وقت يتصرف فيه كمريض نفسي. لكن يلفت انتباهنا وصفه للتجربة بال (العبثية)
والعبث الحَقِيقِيّ لغة: هو الفعل أو الفكرة التي لا يُتَصَوَّر لها فَائِدَة
لكن المعنى العرفي للعبث: هو الفعل أو الفكرة التي لا يتَصَوَّر لها فَائِدَة معتدا بهَا؛ بِالنّظرِ الى الْمَشَقَّة.
فدل ذلك على أن الراوي اختار التجربة وهو لا يعرف هل ستكون لها فائدة من عدمه، فسماها عبثا.
أو يكون القصد أنه يعرف تماما النتيجة على ظنه، فبالتالي تكون التجربة عبثا لأنها لن تفضي إلى جديد بحسب ظنه مع تجشمه مشقة التجربة (بالمعنى العرفي).
فاختيار وصف (العبثية) كان من باب الإشارة البلاغية وهي أن يكون اللفظ القليل مشتملًا على المعنى الكثير، بإيماٍء ولمحة تدل عليه، وفائدته توسيع الدلالة، وإثراء النص. وترك فجوة دلالية للقارئ يشتغل على ملئها.
- ثم نأتي إلى أول عبارة ذات وظيفة تأسيسية باصطلاح (رولان بارت)، والتي ستتكرر بأشكال مختلفة وهي:
- (ورفضي التفاعل مع أي أزمة أو مشكلة بعدما كنت دائما "المنقذ" في كل المواقف)
- فهذه العبارة تؤسس للفكرة المركزية في السردية، (تأسيسية) لأن السردية تقوم عليها، وهي ثنائية الجحود في مقابل الإحسان.
- وتأتي أول ترجمة عملية لهذه الفكرة في المجال الوظيفي، حيث سعى الجميع إلى إحالته إلى المعاش لتنصيب أحد المقربين من رئيس مجلس الإدارة.
- وهذه الفقرة وإن كانت تتسق مع فكرة الجحود إلا أنها تحمل أيضا إشارة بدلالة الالتزام المنطقي إلى الفساد الإداري في الدوائر الحكومية. وهي باصطلاح رولان بارت فقرة تحفيزية.
- فقد استدرك الراوي بأنه لم تفاجئه هذه التصرفات التي قد اعتاد عليها منهم، لكن كانت صدمته من (شخص واحد كنت دائما أسانده ضد من يتعمدون إيذائه)
- وهنا عودة لتكرار وتكريس، الفكرة التأسيسية عن مقابلة الإحسان بالجحود.
- ثم انتقل إلى الدائرة الأقرب والحاضنة الأرحم، وهي الأسرة، وهي مظنة الود والحب، والرحمة، والرعاية، والكفالة.
- ويذكر بشكل من التفصيل ثنائية الإحسان والجحود:
- ويبدو أنه قد اختار تخفيف الوضع فبدأ بوصف الحالة بأنها (لم تكن الصورة وردية أو تبعث على السعادة) ثم يشير إلى إحسانه الكبير (وهبتهم حياتي وتفانيت في إسعادهم) وهذه العبارات تفيد الغاية في الإحسان: فالهبة: هي العطاء بلا مقابل، والعطاء هنا ليس قدرا من المال أو عرضا من أعراض الدنيا الزائلة، بل الهبة هنا هي الحياة، وحياة المرء هي أغلى ما يملك، وأيضا هي كل ما يملك. وهو غاية الإحسان التي ليس وراءها إحسان، لكن العبارة فيها إجمال فلزم التفصيل، بعبارة" وتفانيت في إسعادهم) والعبارة من باب الحذف البلاغي، فكأنه جواب عن سؤال: ما الذي وهبتهم إياه من حياتك؟ هل مراراتها مثلا؟ فجاء الجواب: بل تفانيت في إسعادهم.
- واستخدم الراوي كلمة (تفانيت) ومادة الكلمة من (فَنِي) التي تعني بذاتها: فني وانْتهى وجوده. أي أهلكت نفسي في سبيل إسعادهم. وهي صيغة مبالغة تؤكد بلوغ الغاية في العطاء وتحمِل معنى التحسر لأنه على قدر العطاء يكون مقدار الجحود، ثم تفيد الاحتراس " بلاغةً "من المعاني المخالفة للمراد فيما أجمله من هبتهم حياته فهو يحترس من فهم أنها (مرارات الحياة) وهذا التكرار هو تأكيد للجحود.
- واختيار عبارتي (وهبتهم حياتي، وتفانيت في إسعادهم) تحملان الاختصار البلاغي، مع إضافة الحذف في عبارة تفانيتُ في إسعادهم) كما أسلفنا.
-
ثم يَصدِم القارئ بعد أن خفف فعل الأسرة باختيار أخف الأوصاف بقوله: (في البيت لم تكن الصورة ورديه أو تبعث على السعادة)، حيث يقول: (عقدت زوجتي مع أبنائي ما يشبه "مجلس الحرب" لتقرير مصيري)، هنا كَسْر لأفق توقعات القارئ من الأدنى إلى الأعلى، فمجلس الحرب: هو مجلس تجتمع فيه قيادات الجيوش المقاتلة، لرسم الخطط لمواجهة عدو بغرض هزيمته وكسر إرادته، وإن لزم الأمر التضحية بكل القيم الأخلاقية تحت زعم الدفاع عن النفس، وفي مثل هذه المجالس تُبحَث الوقائع بشكل برجماتي لا عواطف فيه.
- ولذلك بدأت الزوجة وهي رأس الأسرة في حالة غياب الأب، (بقرار حاسم: يجب إيداعه إحدى المصحات "والسبب كما قالت: (ليس لدي وقت لمتابعة حالته، فعملي في الوزارة والحزب يأخذ معظم وقتي).
وهنا نجد الترجمة الواضحة لأخلاق ما بعد الحداثة، وكأن كاتبنا يضع يده على تفاصيل هذه الأخلاق التي غزت مجتمعاتنا، ويعبر عنها الفيلسوف: ((زيغمونت باومان) في كتابه الأخلاق في عصر الحداثة السائلة:
- وهو يتحدث عما يسميه بالهُجنة الثقافية حيث يقول:
- (في مجتمعات ما بعد الحداثة)، ليس هناك مرجعيات أو أدوات لقياس مدى إخلاص الأعضاء؛ ولا هي معنية بمطالبة الأعضاء بولاء ثابت وإخلاص لا يتزعزع أو زيادة ذلك الولاء والإخلاص. كما أنها ليست معنية بالانتماء إلى كيان واحد، ففي النمط الحداثي السائل، قد يُشترك فيه ويُمارس بشكل متزامن مع الانتماء إلى كيانات أخرى في أي صيغة أخرى ممكنة (الوظيفة – الحزب- النقابة). نتيجة لذلك فَقَدَت الارتباطات (التقليدية كالأسرة) الكثير من شدتها.
- وأن يكون المرء مخلصا جزئيا فقط، أو مخلصا "حسب الطلب" لم يعد ينظر إليه على أنه يعني بالضرورة عدم إخلاص ناهيك عن أن يكون خيانة.
- من هنا جاءت إعادة تصوير ظاهرة الهجنة الثقافية بوصفها فضيلة ومؤشرا على التميز، بدلا من أن تكون، كما كان ينظر إليها في الماضي القريب جدا، بوصفها رذيلة وعلامة على إما الدونية الثقافية أو هبوط طبقي خليق بالشجب.
- يغلب أن يحتل المهجنون (أي المنتمون الى الثقافة الغالبة أي ثقافة ما بعد الحداثة الغربية) مراتب عليا وإظهار المرء "هجينيته" تصبح وسيلة رئيسية للتحرك إلى الأعلى سوسيوثقافيا)
- استطاع كاتبنا بعبقرية الأديب أن يحول هذه الفلسفة التقريرية الثقيلة إلى عمل أدبي درامي، يفهمه القارئ ويتفاعل معه إنسانيا.
- وهذا دور الأديب المثقف في الرقي بأمته من خلال أدبه حيث يبسط المعاني الفلسفية ويجسدها دراميا لتصبح قابلة للهضم لكل فئات الشعب الثقافية.
- وهذا ما حدث بالضبط مع أسرة الراوي في سرديتنا، فقد انتهى مجلس الحرب إلى قرار إيداع الأب في مصحة لأن الزوجة لديها انتماءات لا تقل أهمية عن أسرتها، وكذلك الابنة التي بكت معترضة، ما إن واجهتها الأم بالقيام هي بإعالة والدها تراجعت. إنها ترجمة دقيقة للهجنة الثقافية التي سيطرت على المجتمع وأطبقت عليه بفكيها.
- ثم يعود الراوي للثنائية المؤسسة لسرديته حيث يتذكر ويذكرنا بما قدمه لأسرته تفصيليا وتضحياته الجسام من أجلهم
- ثم يصف فرح الأم والابن بالعثور على مصحة يدفن فيها الأب ويتخلصون من متاعبه الأم (منتشية) والابن يزف الخبر كأنه خبر (زفاف) يستحق الاحتفال، والابنة تتدثر بسلبيتها وتكتفي بالبكاء.
- صورة لثنائية (الإحسان والجحود).
- وفي هذا الجو القاسي بالغ السواد، تظهر مدبرة المنزل (سمية) واختيار الاسم له وظيفته، فسمية من السمو أي الارتفاع والعلو الأخلاقي في حالتنا.
- تلك السيدة التي يصفها الراوي بم يدل على أنها من طبقة أدنى من تلك العائلة، ويحكي لنا عن احتياجها المادي بعد موت زوجها لتربية أولادها. وكيف أنها تتحمل وقاحة الزوجة التي تفتقد الى الحد الأدنى من الإنسانية.
- إذا هي من تلك الطبقات الأقل حظا والتي نجت من الهجنة الثقافية أو لم تتملك منها بعد.
- تقترب منه وتعترف له بحبها، وهي تظن انه لا يفهم أو يستوعب ما تقول. إنها تحبه (بصدق وفي صمت ودون رغبة في أي مكاسب)
- يقول: (حاولت طبع قبلة على جبينها فارتجفت ثم ابتسمت، ومنحتني نظرة الحب في عينيها قوة غابت عني أعواما.)
- وبعد أن كشف لهم حقيقة لعبته (انهمرت كلمات الاعتذار، وتبادلوا اللوم بينهم، ركلت ذلك بقدمي ومضيت بهدوء واثق إلى سمية، سحبتها من يدها)، (وانطلقت خارجا بحثا عن هواء جديد لا أثر فيه لسموم)
- هذه الفقرة تؤكد بحثه عن مجتمع نظيف من الهجنة الثقافية وانعدام القيم في مجتمع ما بعد الحداثة. انه المجتمع الذي ما يزال يحتفظ بالقيم الأخلاقية الأصيلة لم تسممها تلك الهجنة ولن يجدها في الطبقات العليا بل هي في الطبقات الأقل حظا.
- وبهذا نكون قد تناولنا السردية في بعديها الأفقي والعمودي.
- الملاحظات:
- جاء العنوان (هدية السماء) متسق ومرتبط بخاتمة السردية. فاصطنع العنوان مع الخاتمة دائرة مغلقة.
- الشخصيات: الشخصية الرئيسية هي شخصية الراوي المشارك، وباقي الشخصيات ثانوية، لكنها شخصيات فعالة وبدونها لا تكمل السردية. وجاءت شخصية الراوي نامية متطورة، وباقي الشخصيات ساكنة.
- الحبكة: جاءت بالنمط التقليدي، مقدمة تمهيدية ثم الصعود، وصولا للذروة ثم الحل (النهاية).
- الصراع: كان صراعا خارجيا بين الراوي وأسرته وزملائه في الوظيفة.
- الفكرة المركزية: ثنائية: الإحسان في مقابل الجحود
- خلت السردية من أي تأطير زماني أو مكاني لخدمة هدفها الأخلاقي الذي لا يحده مكان أو زمان.
- اتسم النص بالتماسك وحرص على غلق الثغرات المنطقية.
- اتسمت اللغة بالبساطة والسهولة مع الرصانة وابتعدت عن أي تقعر لغوي.
- خلت السردية من الحشو، الذي لا يناسب القصة القصيرة.
- سارت الحبكة بشكل ممنهج ومنتظم بلا افتعال أو مصادفات.
- اتسقت الأفكار وأوصلت السردية الأفكار العميقة في لغة بسيطة وحبكة درامية محببة. فتسللت المعاني إلى القارئ دون معاناة منه أو مباشرة من الكاتب، فكانت الطريقة الأمثل في التواصلية.