دكتورة فينوس فؤاد تكتب : تلقائية "الجندي" تتجسد في "أحلام زيزو"

دكتورة فينوس فؤاد تكتب :  تلقائية "الجندي" تتجسد في "أحلام زيزو"

لو سألت نفسك ماذا لو كنت طفلا؟ ستكون الاجابة غالبا : لقمت بما افكر فيه فورا و بدون اي قيود ، و لعبرت بكل جوارحي ، و لأصبحت العب في كل حين، و لسبحت بخيالي بلا حدود فنسجت قصصا من بنات افكاري ليست من الواقع، و اخترعت شخصيات لن نجدها الا في عالم الاحلام، فأحكيها و ارسمها و اصدقها.... و لبالغت بكل وسائل التعبير و بكل الحواس ، بصوت عالي يدوي في الآفاق... بخطوط والوان صاخبة في سرعة اخاذة.

بتلك العبارات البسيطة وصف الفنان الدكتور "عبد العزيز الجندي" معرضه في مقدمة الكتالوج الخاص به ، فلم اجد انا ايضا افضل منها لأبدأ بها حديثي عن ذلك المعرض المبهج الفريد "أحلام زيزو".

في الوهلة الأولى لدخولي المعرض وجدت البهجة تستقبلني و تأخذ بيدي و تدعوني لأتنقل بين اللوحات اتفحصها ، العب مع اطفالها، اغني معهم اغاني لا يسمعها احد سوانا ، اتذكر الشوارع التي تربينا فيها و رسمناها في كراسات الرسم بالأقلام الخشبية الملونة ، سمعت ضحكات اطفالي في طفولتهم اثناء لهوهم مع اقرانهم و تذكرت العاب الملاهي الشاهقة و صرخات الاطفال الممزوجة بالضحكات البريئة ، وجدت حواسي كلها تنتبه لتذكرني برائحة الذكريات و طعم الطفولة و بهجة البراءة و حلاوة البساطة والعفوية.

وجدت لوحات لا يستطبع رسمها الا طفل صغير ، ربما ظننت في بعض اللوحات ان هناك طفل اخر اشترك مع "الجندي" في رسم اللوحات او شارك في التلوين، او ربما كان لصاحب تلك اللوحات اخ يكبره باعوام قليلة لا تتعدي اصابع اليد الواحدة فهذه اللوحات و الموضوعات التي تتناولها لا تصدر الا عن أطفال في مرحلة الطفولة.

و ببساطة إذا عدنا لمراحل النمو الفني لدي الاطفال وفقا لمراجع العلامة الدكتور "شاكر عبد الحميد" رحمه الله ، لن تجد في لوحات المعرض سمات تنتمي الي مرحلة المراهقة او الشباب ، فقط ستجد ملامح فنون الأطفال، ملامح البراءة ، الاختزال ، التسطيح  ، اختفاء خط الأرض ، تلاشي المنظور ، التضخيم والمبالغة في رسم الشخصيات طبقا لأهمية دورها في حياة الطفل "زيزو" بطل الحكايات ، فالأب يقترب طوله من طول باب المبني المجاور له ، فيظهر عملاقا بين السيارات التي تضاهي سيارات العاب الاطفال في عالمهم المبهج ، الشمس تطل بأشعتها الخطية البسيطة ، المباني تتزين بالخطوط العفوية غير المنتظمة بصورة زخرفية تلقائية لا تعرف قواعد السيمترية او التكرار المنتظم.

لم تقتصر لوحات "زيزو" علي ملامح مدينة القاهرة و سكانها بل تظهر فيها ايضا الشخصيات الريفية ذات الجلباب الطويل والعمامة و البيوت القروية كبطل في لوحاته التي عبر عنها بالقص واللصق بالأوراق الملونة ، نفس الخامات التي يعبر بها الاطفال عن احلامهم في حصة الرسم، الالوان مختلطة في بعض اجزاء اللوحات لتضاهي قلة خبرة الاطفال وعدم اتقانهم مهارات التلوين  ، نري الناس تسير في الشارع في صفوف علي خط واحد مع الاحتفاظ بحق الاب والام فقط في الظهور بحجم اكبر من جميع الاشخاص نظرا لاهميتهم في حياة "زيزو" الطفل المتميز.

الالوان والموضوعات

اختار "الجندي" ان يتقمص شخصية "زيزو" و ان يمارس طقوس الاطفال كاملة للتعبير عن ذاتهم  بدون قيود او محاذير، فاستخدم كل ما تطاله يده او يقع في محيط نظره و مكانه من خامات والوان ، و لم يلتفت لاختلاف الخامات او تنوع الاقلام والالوان بين يديه ، فدمج الالوان الفلو ماستر بالألوان المائية مع قصاصات الورق الملون والكرتون فخرجت لوحات بريئة بخامات متعددة ، و موضوعات تهوي الاطفال فقط مثل الملاهي و اللعب وسط زينة رمضان وسط الشوارع والحارات، ولم ينسي "زيزو" ارتباط المبالغة في رسوم الاطفال والتي تقترب الي فن الكاريكاتير الذي يجيده الفنان "عبد العزيز الجندي" فظهرت لمحات منه علي وجوه ابطال احلام و مغامرات "زيزو" السابحة في فضاء لوحاته متحررة من الارتباط بأرض الواقع مفضلة ان تطير مع الهواء النقي في عالم احلامه البريئة.

كيف تحرر الدكتور عبد العزيز الجندي من القيود الأكاديمية؟

لازال السؤال الذي يسيطر علي وانا اشاهد لوحات المعرض ، كيف فعل الاستاذ الدكتور عبد العزيز الجندى الاستاذ في قسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة ذلك ؟ كيف تحرر من القواعد الاكاديمية ؟ ، كيف تغلب علي طبيعته الفنية المطابقة لعمره العقلي و ادراكه للأبعاد والمنظور و الظل والنور وقواعد استخدام الالوان والخامات ليعود بآلة الزمن خمسون عاما الي الخلف؟ كيف تخلص من لزمات الفنان الاكاديمي الدارس والقائم علي تدريس الفن و قواعده ؟ كيف تقمص شخصية الطفل البرئ بهذا الإتقان ؟

اعتقد ان الإجابة علي تلك الاسئلة هي "براعة الفنان" ، ف "الجندي" فنان مصري شغوف اعتاد رصد مشاهد الشارع المصري ، يصطحب اصدقاءه و تلاميذه ليجلسوا معا في الشارع كل يوم جمعة ليرسم مع اهل الشارع قبل الفنانين ملامح بيوتهم و حياتهم و احلامهم ، اعتاد رصد الملامح والوجوه  ، اتقن ادواته الفنية و استطاع في هذا المعرض ان يخلعها و ينحيها جانبا ليكشف عن الطفل "زيزو" القابع بداخله مختفيا عن الانظار، محتفظا ببراءته و عفويته ، مسيطرا علي تفكيره طوال العمر ليظهر بين حين واخر ليعلن عن فنان سيكتب عنه التاريخ و سيكون "زيزو" بطلا لعالم جديد من قصص الاطفال.

مشوار "الجندي"

في بداية حياة "عبد العزيز الجندي" العملية عمل كرسام فى العديد من الصحف و المجلات، كما برع في رسم الأحياء القديمة ،  ثم تخلص من الاعتناء بالتفاصيل واتجه إلى التحرر واختزال العناصر والاعتماد على أسلوب أقرب إلى التجريد ، ثم  زاد من التحرر مع ظهور النضج في اعماله ، فتحولت اعماله الي الاهتمام بالكتلة واستقرار التكوين ، ثم اتجه الي استخدام الفراغ كعنصر اساسي داخل لوحاته ليعطي متنفسا لعين المتلقي ، كما اتجه إلى عتامة الألوان من خلال استخدام خامة الأكريليك و الجواش  ،  ثم استخدام الألوان المائية ،  كما استخدم "الجندي" الورق اللاصق والكتابات كنوع من الكولاج الممزوج بالرسم أحيانا وبالالوان تارة اخري ، كما كان يستهويه الأحياء الشعبية بكافة تفاصيلها فاطلق علي احد معارضه "يوم الجمعة" ذلك اليوم الذي كان يعشق طقوسه و يخرج فيه للقاء تلاميذه يستمتعون بالفن والصحبة معا ، كما اطلق علي بعض لوحاته اسماء من المشاهد الحياتية التي كان يرصدها و لكنها تبدو غريبة مثل "كشك الشاى" و " فى الخمسينة" و" عرائس الظل ".

"الجندى" برع ايضا في رسم الكاريكاتير  و كذلك رسم الشخصيات فى الصحف والمجلات منذ ان كان طالبا في كلية الفنون الجميلة التى أصبح استاذا لفن الكتاب فى قسم الجرافيك بها ، كما برع "الجندي" في  رسم المناظر الطببعية التي عبر عنها بالألوان المائية، كما استلهم من التراث الاسلامي في بعض تفاصيل لوحاته.

"عبد العزيز الجندي" فنان بدأ مشواره الفني باحثا عن الجمال في كل تفاصيل الحياة، محبا للبيئة الشعبية ، مولعا بالتراث العمراني ، متشبعا بالطقوس المصرية الاصيلة ، محبا لتلاميذه مشجعا لهم ، باحث مجتهد عن الحرية والتجديد معا ، يدقق في ملامح البشر والحجر باحثا عن العلاقة الخفية بينهما ، ملون متمكن ، عاشق للإنسان بجميع مراحل نموه و مراحل تفكيره ، فنان له بصمة خاصة جرئ وبسيط لتظل لوحاته توصف بالسهل الممتنع.

لوحات "الجندي" لها صوت مسموع يحكي تجارب و خبرات وتفاصيل حياة البشر في عبارات مقتضبة بعيدا عن الاسهاب في تفاصيل مملة ، يتنقل في استخدام الالوان المائية والخشبية والزيتية والجواش بسهولة وفقا لما يتطلبه المشهد في اللوحة ، باختصار انه فنان ذو طبيعة خاصة جدا.

جماعة اللقطة الواحدة :

الدكتور "عبد العزيز الجندي" هو فنان تشكيلي مصري بارز وأستاذ بقسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان "جامعة العاصمة حاليا"  أسس جماعة "فناني اللقطة الواحدة"، وهي تجمّع فني يهدف إلى التقاط تفاصيل الحياة اليومية ومشاهدها بعفوية طبقا لانطباعات كل فنان ، فهو يؤمن بالتفرد في التلقي لنفس المشهد ، كما يؤمن بان شخصية الفنان تظهر في اللوحة لتضيف خصوصية لها.

حيث يلتقي مجموعة من الاصدقاء والتلاميذ والهواة صباح كل يوم جمعه في مدينة "القاهرة" يرسمون شوارعها  و ميادينها و حواريها ؛ يوثقون بيوتها وآثارها ، يرصدون بعيون محبة للحياة ملامح الناس والشوارع،   الهدف منها هو تشجيع المجتمع علي ممارسة الفن و خروج الفنان من عزلته داخل جدران المرسم الي الشارع ، كما كان الهدف في توحيد المشهد هو ان يبحث كل فنان عن الجمال بأسلوب مختلف لتتجمع صفات الإنسانية داخل اللوحات الحية لتسجل نبض الشوارع والحارات و اقام لأعمال تلك المجموعة معرضها الاول في قاعة متحف محمود مختار عام ٢٠٠٩ و يحرص علي اقامة معارضها حتي الآن

تضم الجماعة مجموعة من الفنانين الشباب والخريجين الذين يقومون بجولات ميدانية لرسم معالم مصر المختلفة، مثل ورشة "بلكونة النيل" ، كما تحرص،الجماعة علي الزيارات المستمرة للمتاحف والمعالم التراثية ، حيث يؤمن "الجندي" بأن الرسم السريع (الاسكتش) قادر على تحرير الكائنات والبوح بأسرارها الفنية بطريقة تعبيرية وواقعية عميقة وان المشهد الواحد قادر علي ان يتغير من لوحة فنان الي اخر طبقا لهويته و اسلوبه.

"الجندي" متعدد المواهب

اقام الفنان المصري "عبد العزيز الجندي"  المولود عام 1968 العديد من المعارض الفنية التشكيلية التي عرض من خلالها مسيرته الفنية التي قاربت من ال٣٥ عام و كذلك اقام العديد من اعمال الجماعة الفنية التي اسسها، كما قدم العديد من افلام الرسوم المتحركة منها "قهوة المزاج الرايق" و كذلك فيلم "الختم" ، كما قام باخراج ٤ افلام هم "مصاصة" و" نيام نيام" و "المروحة" و "احلام سعيدة".

كما عمل كرسام صحفي في العديد من المطبوعات الشهيرة منها مجلات "صباح الخير" و "الاهرام الرياضي" و "كاريكاتير" و "العربي" ، و كذلك حصد العديد من الجوائز منها الجائزة البرونزية لمهرجان الاسماعيلية ١٩٩٣ ، و جائزة المجلس الأعلى للشباب والرياضة عام ١٩٩٧ و كذلك جوائز صالون الشباب في مجال الحفر اعوام ١٩٩٧ و ١٩٩٨  و  ٢٠٠٠ ، و كذلك حصد جائزة التصوير من صالون الشباب عام ١٩٩٩.