عاصم التجاني شمعون يكتب.. التعليم والعدالة الاجتماعية: هل يحصل الجميع على الفرصة نفسها؟ (الحلقة السادسة)

 عاصم التجاني شمعون يكتب.. التعليم والعدالة الاجتماعية: هل يحصل الجميع على الفرصة نفسها؟ (الحلقة السادسة)

يقال دائماً إن التعليم هو الطريق الأقصر إلى مستقبل أفضل. لكن هذا الطريق ليس مفتوحاً للجميع بالدرجة نفسها. فهناك أطفال يولدون في مدن كبيرة تتوفر فيها المدارس والمعلمون والوسائل التعليمية، بينما يولد آخرون في قرى أو مناطق نائية يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى مدرسة قد تفتقر إلى أبسط الإمكانات.
لأن التعليم ليس مجرد خدمة تقدمها الدولة، بل هو الوسيلة التي تحدد مستقبل الإنسان وموقعه في المجتمع. فالطفل الذي يحصل على تعليم جيد يمتلك فرصة أكبر للعمل والإبداع والمشاركة في التنمية، بينما يؤدي الحرمان من التعليم أو ضعف جودته إلى استمرار الفقر واتساع الفجوة بين فئات المجتمع. ولهذا أصبحت العدالة التعليمية اليوم من أهم مؤشرات العدالة الاجتماعية في العالم. وهنا يبرز سؤال مهم: هل يحصل جميع الأطفال على الفرصة نفسها في التعليم؟ الإجابة، في معظم دول العالم، هي (لا). فالعدالة في التعليم لا تعني فقط أن تفتح الدولة مدارسها أمام الجميع، وإنما أن تضمن لكل طفل فرصة حقيقية للحصول على تعليم جيد، بغض النظر عن مكان ولادته، أو دخل أسرته، أو جنسه، أو ظروفه الاجتماعية.
العدالة التعليمية تعني أن تكون فرص التعلم متاحة للجميع على قدم المساواة. فلا يحرم طفل من التعليم لأنه فقير، ولا تتراجع جودة تعليمه لأنه يعيش في منطقة بعيدة، ولا تُمنع فتاة من الدراسة بسبب عادات اجتماعية أو ظروف اقتصادية. فالهدف ليس أن يدخل الجميع المدرسة فقط، بل أن يحصل الجميع على تعليم يفتح أمامهم أبواب المستقبل.
من أكبر التحديات التي تواجه التعليم وجود فجوة بين المدن والأرياف. فالمدارس في المدن غالباً ما تتمتع بعدد أكبر من المعلمين، ومبانٍ أفضل، ومختبرات، ومكتبات، وخدمات تقنية. أما كثير من المدارس الريفية، فقد تعاني من نقص المعلمين، أو ضعف المباني، أو قلة الوسائل التعليمية، وأحياناً يدرس أكثر من صف داخل فصل واحد. وهذا يعني أن الطفل قد لا يختار مستقبله بقدر ما يختاره المكان الذي ولد فيه.
قد يعيش طفلان في العمر نفسه، أحدهما في مدينة كبيرة يدرس في مدرسة مجهزة بالمختبرات والإنترنت والمعلمين المتخصصين، بينما يدرس الآخر في قرية بعيدة داخل فصل يضم عدة صفوف معاً، أو في مدرسة تفتقر إلى الكهرباء والوسائل التعليمية. وبين الطفلين لا يوجد فرق في الذكاء أو الطموح، وإنما الفرق في الفرصة التي أتيحت لكل واحد منهما.
التعليم الريفي لا يواجه مشكلة المدرسة وحدها، بل يواجه مجموعة من الصعوبات. فقد تكون المسافات طويلة بين المنزل والمدرسة، وقد تفتقر الطرق إلى وسائل النقل، وقد تضطر بعض الأسر إلى إشراك أبنائها في العمل الزراعي أو الرعوي لمساعدتها في توفير المعيشة. وفي بعض المناطق، تتحول الأمطار أو الظروف الأمنية إلى عائق يمنع الأطفال من الانتظام في الدراسة.
ولهذا فإن تحسين التعليم الريفي لا يقتصر على بناء المدارس، بل يشمل تحسين الطرق، والنقل، والخدمات الأساسية، وتوفير معلمين مؤهلين يقبلون العمل في تلك المناطق. ولذلك فإن تحسين التعليم في الريف لا يحافظ على حق الأطفال في التعلم فحسب، بل يحد أيضاً من الهجرة إلى المدن، ويسهم في تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف المناطق، لأن المدرسة الجيدة تشجع الأسر على البقاء والاستثمار في مجتمعاتها المحلية.
وتؤكد الدراسات الدولية أن تعليم الفتاة لا يفيدها وحدها، بل يفيد الأسرة والمجتمع كله. فالمرأة المتعلمة تكون أكثر قدرة على رعاية صحة أطفالها، ودعم تعليمهم، والمشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، لا تزال بعض الفتيات يحرمن من التعليم بسبب الفقر، أو الزواج المبكر، أو بعد المدارس، أو بعض العادات الاجتماعية.
ولهذا فإن الاستثمار في تعليم الفتيات ليس قضية تخص المرأة فقط، بل هو استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله.
وتشير كثير من الدراسات إلى أن ارتفاع مستوى تعليم النساء يرتبط بانخفاض معدلات الفقر، وتحسن صحة الأسرة، وارتفاع إنتاجية الاقتصاد، لأن المرأة المتعلمة تصبح أكثر قدرة على المشاركة في سوق العمل واتخاذ القرارات المتعلقة بتعليم وصحة أبنائها.
قد تكون المدرسة مجانية، لكن التعليم ليس مجانياً دائماً. فالأسرة تحتاج إلى شراء الملابس المدرسية، والكتب، والحقائب، وتوفير وسائل النقل، وأحياناً تتحمل تكاليف الدروس الإضافية. ولهذا تضطر بعض الأسر الفقيرة إلى إخراج أبنائها من المدرسة مبكراً ليعملوا ويساعدوا في إعالة الأسرة. وعندما يترك الطفل المدرسة بسبب الفقر، فإن دائرة الفقر تستمر من جيل إلى جيل. ولهذا يرى خبراء التنمية أن مكافحة الفقر تبدأ أيضاً من دعم التعليم.
بل إن الفقر قد يخلق نوعين من التعليم داخل المجتمع؛ تعليم جيد لمن يستطيع تحمّل تكلفته، وتعليم محدود لمن لا يملك الموارد، وهو ما يؤدي مع مرور الوقت إلى إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي بين الأجيال.
لا يمكن تحقيق العدالة التعليمية بالجهود الفردية وحدها، بل تحتاج إلى سياسات عامة واضحة. ومن أهم هذه السياسات:
- توزيع المدارس بصورة عادلة بين المدن والقرى.
-  توفير معلمين مؤهلين في جميع المناطق.
- دعم الأسر الفقيرة حتى لا يكون الفقر سبباً في ترك الدراسة.
- تحسين جودة التعليم في المدارس الحكومية.
-  توفير بيئة آمنة تشجع الفتيات على مواصلة تعليمهن.
- توسيع استخدام التكنولوجيا للوصول إلى المناطق البعيدة.
فالعدالة التعليمية ليست شعاراً، بل هي قرارات وخطط واستثمارات طويلة الأمد. كما ينبغي أن تقوم السياسات التعليمية على مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث يحصل الطفل في القرية على مستوى التعليم نفسه الذي يحصل عليه الطفل في المدينة، لأن العدالة لا تعني مساواة شكلية، بل تعني توفير الإمكانات التي تجعل الجميع قادرين على المنافسة والانطلاق.
ومع التطور الرقمي، أصبح من الممكن تقليص جزء كبير من الفجوة التعليمية عبر التعليم الإلكتروني، والمنصات الرقمية، والفصول الافتراضية، شريطة توفير الإنترنت والأجهزة المناسبة للمناطق الأقل حظاً. فالتكنولوجيا لا تستطيع أن تحل جميع المشكلات، لكنها أصبحت أداة مهمة لتحقيق قدر أكبر من العدالة التعليمية.
لا توجد دولة حققت تنمية حقيقية من دون تعليم جيد. فالمهندس، والطبيب، والمعلم، والمزارع، ورجل الأعمال، والعامل الماهر، جميعهم يبدأون من المدرسة. ولهذا فإن الاستثمار في التعليم ليس إنفاقاً حكومياً، بل هو استثمار في الاقتصاد، والصحة، والأمن، والاستقرار، ومستقبل الأجيال. فكل سنة يقضيها الطفل في التعليم تزيد من فرصه في الحصول على عمل أفضل، وتزيد من قدرة المجتمع على الإنتاج والابتكار.
ختاماً، إن العدالة الاجتماعية لا تبدأ من توزيع الثروة فقط، بل تبدأ من توزيع الفرص. وأهم هذه الفرص هي فرصة التعليم. فالطفل الذي يولد في قرية بعيدة يجب أن يحظى بالفرصة نفسها التي يحظى بها الطفل في المدينة. والفتاة يجب أن تجد الباب مفتوحاً أمامها كما يجده الفتى. والفقير يجب ألا يُحرم من مستقبله لأن أسرته لا تملك المال. فحين يصبح التعليم الجيد حقاً متاحاً للجميع، يصبح المجتمع أكثر عدلاً، والاقتصاد أكثر قوة، والتنمية أكثر استدامة.