رامي زهدي  يكتب.. «الحرب على الوعي»  عندما يصبح العقل آخر خطوط الدفاع عن الدولة

رامي زهدي  يكتب.. «الحرب على الوعي»   عندما يصبح العقل آخر خطوط الدفاع عن الدولة

لم تعد أخطر الحروب في عصرنا هي تلك التي تستهدف احتلال الأرض أو السيطرة على الموارد أو تدمير القدرات العسكرية للدول، بل أصبحت أخطرها تلك التي تستهدف العقل الإنساني ذاته. 
فالحروب التقليدية، مهما بلغت قسوتها، كانت تنتهي غالبا بوقف لإطلاق النار أو اتفاق سياسي أو إعادة ترسيم للحدود، أما الحرب على الوعي فهي حرب لا تعرف هدنة، لأنها تستهدف إعادة تشكيل طريقة التفكير، وإعادة تعريف الحقائق، وإعادة صياغة الإدراك الجمعي للمجتمعات بما يخدم مصالح الأطراف المنخرطة في الصراع.

لقد تغيرت طبيعة القوة بصورة جذرية خلال العقود الأخيرة، فلم يعد الانتصار يقاس فقط بمن يمتلك السلاح الأكثر تطورا أو الاقتصاد الأكبر أو التكنولوجيا الأحدث، وإنما أيضا بمن يمتلك القدرة على تشكيل الرواية، وإدارة الانتباه، والتأثير في الإدراك العام، وصناعة الصورة الذهنية التي ينظر من خلالها الناس إلى الأحداث. 
ومن هنا، لم تعد الحرب على الوعي مجرد أداة ضمن أدوات الصراع، بل أصبحت الإطار الذي تدار من خلاله معظم الحروب الحديثة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو إعلامية أو سيبرانية أو سياسية.

ولعل أخطر ما يميز هذا النوع من الحروب أنه لا يبدأ بإعلان رسمي، ولا يحتاج إلى تعبئة عسكرية، ولا يخضع لقواعد الاشتباك التقليدية، إنها حرب صامتة، مستمرة، منخفضة التكلفة، مرتفعة العائد، يستطيع فيها الخصم أن يحقق مكاسب استراتيجية كبيرة دون أن يطلق رصاصة واحدة، وإذا كانت الحروب التقليدية تستهدف تدمير القدرات المادية للدول، فإن الحرب على الوعي تستهدف تقويض قدرتها على التفكير المتماسك، وإضعاف مناعتها النفسية، وتشويه منظومة الثقة داخل المجتمع، حتى يصبح المواطن، دون أن يشعر، جزءا من معركة تستهدف وطنه.

ولم يعد هذا التحليل مجرد اجتهاد نظري، بل أصبح جزءا من الأدبيات الاستراتيجية الحديثة، فمفاهيم مثل الحرب الإدراكية، والعمليات المعلوماتية، وحروب الجيل الخامس، والهندسة الاجتماعية، واقتصاد الانتباه، أصبحت حاضرة بقوة في وثائق المؤسسات العسكرية ومراكز الدراسات الاستراتيجية حول العالم، إدراكا بأن السيطرة على الإدراك قد تكون أكثر حسما من السيطرة على الأرض.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت تجاوز 5.6 مليار مستخدم، بينما تجاوز عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي 5.3 مليار مستخدم، يقضي الفرد منهم في المتوسط أكثر من ساعتين يوميا على تلك المنصات، وهذا يعني أن مليارات البشر أصبحوا يعيشون داخل بيئة رقمية واحدة، تتنافس فيها آلاف الجهات على جذب انتباههم، والتأثير في آرائهم، وصياغة أولوياتهم، بل وحتى في طريقة فهمهم للواقع.

وهنا تبرز إحدى أخطر مفارقات العصر؛ فكلما ازدادت المعلومات المتاحة، ازدادت صعوبة الوصول إلى الحقيقة، لقد تحول فائض المعلومات إلى أحد أهم أسلحة التضليل، لأن الإنسان عندما يتعرض يوميا إلى سيل هائل من الأخبار والآراء والمقاطع المصورة والتحليلات المتناقضة، يفقد تدريجيا قدرته على التحقق والتمييز، ويصبح أكثر قابلية لتصديق الرواية الأكثر انتشارا أو الأكثر إثارة، وليس بالضرورة الأكثر دقة.

ومن هنا ولد مفهوم "اقتصاد الانتباه"، حيث لم تعد المنافسة تدور حول إنتاج المعلومات، وإنما حول السيطرة على انتباه الإنسان، فالانتباه أصبح موردا استراتيجيا بالغ القيمة، وكل دقيقة يقضيها المستخدم أمام شاشة هاتفه تمثل فرصة للتأثير في قناعاته وسلوكه وقراراته، ولذلك صممت الخوارزميات بحيث تكافئ المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل، لا الأكثر دقة، وهو ما جعل الغضب والخوف والاستقطاب من أكثر المشاعر القادرة على تحقيق الانتشار.

وأخطر ما في الحرب على الوعي أنها لا تسعى إلى إجبار الإنسان على تبني فكرة معينة، وإنما تعمل على إعادة تشكيل البيئة التي تتكون فيها أفكاره، حتى يعتقد أن ما وصل إليه هو نتاج قناعته الشخصية، بينما تكون عملية الإدراك ذاتها قد تعرضت لتأثيرات متراكمة ومدروسة، وهنا يكمن الفارق بين الدعاية التقليدية والحرب الإدراكية، فالدعاية تحاول تغيير الرأي، أما الحرب على الوعي فتعيد تشكيل آلية إنتاج الرأي نفسه.

ولأن المشاعر تنتشر أسرع من الحقائق، أصبحت الأخبار الصادمة والشائعات والمحتويات المثيرة تحقق انتشارا يفوق المحتوى الرصين بمراحل، وقد أظهرت دراسات أكاديمية أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر بعض المنصات الرقمية بسرعة تفوق الأخبار الصحيحة، ليس لأنها أكثر إقناعا، بل لأنها أكثر إثارة للدهشة أو الغضب أو الخوف، وهي المشاعر التي تتفاعل معها الخوارزميات بصورة أكبر.

ولا يعتمد التضليل الحديث على اختلاق الأكاذيب الكاملة بقدر اعتماده على توظيف أجزاء صحيحة من المعلومات، أو اقتطاع الوقائع من سياقها، أو إعادة ترتيبها بطريقة تنتج استنتاجات مغايرة للحقيقة، ولذلك أصبحت معركة اليوم ليست بين الحقيقة والكذب فقط، وإنما بين السردية الأكثر قدرة على الانتشار.

وزادت تطبيقات الذكاء الاصطناعي من تعقيد هذا المشهد بصورة غير مسبوقة، فالتزييف العميق لم يعد مجرد تجربة تقنية، بل تحول إلى أداة قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية يصعب على غير المتخصصين اكتشاف زيفها. ومع التطور المتسارع للنماذج التوليدية، لم يعد السؤال هو: هل يمكن تزييف الواقع؟ بل أصبح: كيف يمكن الحفاظ على الثقة في أي محتوى رقمي؟ وهو تحد يفرض على الدول تطوير أدواتها التشريعية والتقنية والتعليمية والإعلامية بالسرعة نفسها التي تتطور بها التكنولوجيا.

ولا تتوقف الحرب على الوعي عند حدود الإعلام الرقمي، بل تمتد إلى ما يعرف بالهندسة الاجتماعية، وهي استغلال طبيعة الإنسان النفسية وسلوكه لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو أمنية، فالخصوم لا يبحثون فقط عن نقاط الضعف العسكرية أو الاقتصادية، بل يدرسون أيضا نقاط الضعف النفسية والثقافية للمجتمعات، ويحددون أكثر القضايا قدرة على إثارة الجدل والانقسام، ثم يضخون محتوى مصمما بعناية لإثارة المخاوف، وتعميق الشكوك، وتغذية الاستقطاب، وتقويض الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.

 إنهم لا يصنعون الأزمة دائما، لكنهم يجيدون استثمارها وتضخيم آثارها.

ومن منظور الأمن القومي، فإن أخطر ما في هذه الحرب أنها تدفع المجتمع إلى استهلاك طاقته في صراعات داخلية لا تنتهي. فبدلا من توجيه الجهد نحو البناء والتنمية، يصبح المجتمع منشغلا بمعارك جانبية، وخلافات مستمرة، وجدالات لا تنتهي، بينما يظل الطرف الذي يدير عملية التأثير بعيدا عن المشهد. 

وهكذا تتحقق أهداف استراتيجية كبيرة دون مواجهة مباشرة، ودون تكلفة تقارن بتكلفة الحروب التقليدية.

ومن خلال متابعة تطور هذا النمط من الصراعات، يمكن ملاحظة أن الحرب على الوعي تمر غالبا بخمس مراحل مترابطة، تبدأ بالتشويش عبر إغراق المجتمع بكم هائل من المعلومات المتناقضة، ثم تنتقل إلى التشكيك في كل مصدر موثوق وكل مؤسسة وطنية، يلي ذلك تعميق الاستقطاب حتى يتحول الاختلاف الطبيعي إلى انقسام حاد، ثم مرحلة الإنهاك، حيث يستهلك المجتمع طاقته في صراعات داخلية، قبل الوصول إلى المرحلة الأخيرة، وهي إعادة توجيه الرأي العام نحو مواقف أو خيارات تخدم أهداف الطرف الذي يدير المعركة، وهذه المراحل لا تحدث دائما بصورة متتابعة، لكنها تشكل في مجموعها النمط الأكثر شيوعا في إدارة الحروب الإدراكية الحديثة.

ومن هنا يبرز مفهوم أرى أنه سيصبح خلال السنوات المقبلة أحد أهم مفاهيم الأمن القومي، وهو "الأمن الإدراكي". والمقصود به قدرة الدولة والمجتمع على حماية الوعي الجمعي من محاولات التشويه والتضليل وإعادة تشكيل الإدراك، بما يحافظ على الثقة الوطنية، ويعزز التماسك المجتمعي، ويمكن المواطن من التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد المسؤول ومحاولات الهدم، وبين الاختلاف المشروع والاستقطاب المصطنع، فالأمن الإدراكي لا يعني فرض الوصاية على العقول، بل تمكينها، ولا يعني تقييد التفكير، بل تحصينه.

ولذلك، فإن مفهوم الأمن القومي نفسه أصبح بحاجة إلى تطوير مستمر، فبعد أن ارتبط لعقود طويلة بحماية الحدود والسيادة والقدرات العسكرية، اتسع ليشمل الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن المائي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، واليوم تفرض التحولات الدولية إضافة بعد جديد لا يقل أهمية، هو الأمن الإدراكي، باعتباره خط الدفاع الذي يحمي قدرة المجتمع على التفكير السليم، وصيانة الثقة العامة، وتعزيز المناعة الوطنية في مواجهة حملات التضليل المنهجية.

وبالنسبة لمصر، فإن التعامل مع هذه التحولات لا ينبغي أن يكون بردود أفعال مؤقتة، وإنما من خلال رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تنطلق من أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأكثر قيمة، وأن تعزيز الوعي يمثل جزءا أصيلا من منظومة الأمن القومي، فلا يمكن مواجهة حرب تستهدف العقول بأدوات أمنية فقط، كما لا يمكن مواجهة التضليل بالمعلومات وحدها، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من التعليم، وتمر بالإعلام، ولا تنتهي عند الثقافة، والبحث العلمي، والأحزاب السياسية، والمؤسسات الدينية، والأسرة.

ويبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للتفكير النقدي داخل العملية التعليمية، لأن المواطن الذي يمتلك أدوات التحليل والتمييز يصبح أقل عرضة للتلاعب وأكثر قدرة على التحقق. 

كما يتطلب إعلاما مهنيا يتمتع بالمصداقية والسرعة، قادرا على تقديم المعلومة الدقيقة في توقيتها، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لازدهار الشائعات. 

أما الأحزاب السياسية، فلا ينبغي أن يقتصر دورها على المنافسة الانتخابية، بل يجب أن تصبح مدارس حقيقية لإعداد المواطن الواعي، وترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز المشاركة المسؤولة في الشأن العام.

ولا يقل أهمية عن ذلك امتلاك الدولة لرواية وطنية متماسكة، قادرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة عقلانية وشفافة، فالعالم الرقمي لم يعد يعترف بالحدود، وأصبحت الصورة الذهنية للدول تتشكل لحظة بلحظة عبر الفضاء الإلكتروني، ومن ثم، فإن الاستثمار في الإعلام المهني، والمحتوى الرقمي الرصين، والاتصال الاستراتيجي، لم يعد ترفا، بل أحد مكونات القوة الشاملة للدولة.

كما ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة بقدر ما يمثل تحديا، فالأدوات التي تستخدم في إنتاج المحتوى المضلل يمكن توظيفها أيضا في كشفه، وتحليل اتجاهاته، ورصد الحملات المنسقة، وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة على الاستجابة السريعة، فالتكنولوجيا ليست عدوا في ذاتها، وإنما تتحدد قيمتها وفقا لطريقة توظيفها.

لقد أصبحت معركة القرن الحادي والعشرين معركة على الإدراك قبل أن تكون على الجغرافيا، وعلى الثقة قبل أن تكون على القوة، وعلى العقل قبل أن تكون على الأرض. ولم تعد الحقيقة وحدها كافية للانتصار، بل أصبحت سرعة وصول الحقيقة، وقدرتها على منافسة التضليل، جزءا من معادلة الأمن القومي.

وعلمتنا تجارب التاريخ أن الدول قد تخسر معركة عسكرية ثم تستعيد قوتها، وقد تمر بأزمات اقتصادية ثم تعود إلى النمو، لكنها إذا خسرت معركة الوعي، فإن استعادة التوازن تصبح أكثر صعوبة وأكثر تكلفة، فالجيوش تستطيع حماية الحدود، والاقتصاد يستطيع دعم الاستقرار، أما الوعي فهو الذي يحمي الدولة من الداخل، ويصون هويتها، ويحافظ على تماسكها، ويمنحها القدرة على الصمود في مواجهة أكثر الحروب تعقيدا.

والدولة التي تبني الطرق والمصانع تحقق التنمية، والدولة التي تبني جيشا قويا تحقق الردع، أما الدولة التي تبني وعيا وطنيا راسخا فإنها تبني القدرة على البقاء. وفي عالم تتغير فيه أدوات الصراع بوتيرة غير مسبوقة، قد يصبح العقل الواعي آخر خطوط الدفاع عن الدولة، وأول ضمانات مستقبلها.