خالد العوامي يكتب : القرآن مشروع حياة .. عودوا إليه قبل أن تبتلعنا الكراهية

خالد العوامي يكتب : القرآن مشروع حياة .. عودوا إليه قبل أن تبتلعنا الكراهية

علي الشرفاء الحمادي .. رجل قرر أن يواجه ظلام التطرف بنور القرآن : الإسلام بُني على الرحمة لا الدم

هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى ضجيج .. وإنما تحتاج إلى صوتٍ صادق يوقظ القلوب من غفلتها .. ثم .. ثم تعيد الإنسان إلى الحقيقة التي ابتعد عنها طويلًا .. و .. و هناك كلمات لا تُقال لتُسمع فقط .. وإنما لتشعر الروح بأنها ما زالت حية .
وسط هذا العالم المثقل بالصراعات .. والمزدحم بخطابات الكراهية والانقسام .. يبرز المشروع الفكري للمفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي .. بوصفه دعوة عميقة للعودة إلى النبع الأول .. إلى القرآن الكريم .. إلى الرسالة التي أرادها الله رحمة للعالمين.
إنها ليست دعوة إلى التدين الشكلي .. ولا إلى تكرار الكلمات بلا وعي .. وإنما دعوة إلى أن يعود الإنسان إلى كتاب الله بقلب مفتوح .. وعقل متدبر .. وروح تبحث عن النور وسط هذا الظلام المتراكم .
يقول الله تعالي : ” إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ” .. صدق الله العظيم .. وكأن الآية تختصر الحكاية كلها .. فالقرآن لم ينزل ليكون كتاب جدلٍ وصراع .. وإنما كتاب هداية يبني الإنسان .. ويحرر روحه من الخوف والكراهية والضياع .
لقد آمن الشرفاء الحمادي أن الأزمة الحقيقية لم تكن يوماً في الدين نفسه .. وإنما في الفهم الذي شوه معانيه .. وفي الخطابات التي أبعدت الناس عن جوهر الرحمة والعدل والسلام .. ولهذا جاءت دعوته واضحة وصريحة : عودوا إلى القرآن .. عودوا إلى كلام الله الذي لم يأمر بظلم .. ولم يدعو إلى كراهية .. ولم يجعل الدم طريق إلى الجنة .
كان يرى أن كثير من الناس ابتعدوا عن المعنى العظيم للإسلام .. حين اختلطت عليهم أصوات البشر بنور الوحي .. وحين تحولت بعض المفاهيم إلى قيود على العقل عوضاً عن أن تكون أبواب للهداية .
ومن هنا بدأ مشروعه الفكري .. مشروع لا يقوم على الخصومة .. وإنما على إحياء الوعي .. لا يسعى إلى صناعة الصدام .. وإنما إلى تحرير الإنسان من الخوف الفكري .. ومن أسر التفسيرات التي صنعت الفرقة وأغرقت الأمة في دوائر العداء .. إذ يقول الله سبحانه وتعالى : ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ” .. صدق الله العظيم .
تلك الآية كانت محور عظيم في رؤيته .. فكيف تتحول رسالة الرحمة إلى خطاب قسوة ؟ .. وكيف يصبح الدين الذي أراده الله نور سبب في تخويف الناس وتنفيرهم ؟
لقد كان يؤمن أن الإسلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على الكراهية .. وأن المؤمن الحق لا يحمل في قلبه حقد على الناس .. لأن الله خلق البشر مختلفين .. وجعل الاختلاف سنة من سنن الحياة .. قال تعالي في كتابه الكريم : ” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ” .. صدقة الله العظيم .
في مشروعه الفكري، لم يكن القرآن مجرد نص يتلى.. وإنما روح تُحيي الإنسان .. كان يرى أن أعظم ما يحتاجه البشر اليوم هو أن يستعيدوا القيم التي جاء بها كتاب الله : ” العدل .. الرحمة .. الصدق .. العفو .. احترام الإنسان .. وحفظ كرامته مهما اختلفت معتقداته وأفكاره ” .
كان يؤكد دائمًا أن الله لم يمنح أحدًا حق احتكار الجنة .. ولم يكلف البشر بمحاكمة القلوب .. لأن الحساب لله وحده .. لقوله تعالي : ” إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” .. صدق الله العظيم .. ومن هنا جاءت دعوته إلى إطفاء نار التكفير والكراهية .. وإعادة بناء الخطاب الديني على أساس الرحمة لا الإقصاء .. وعلى الحكمة لا العنف .
لقد أدرك أن أخطر ما يواجه الأمة ليس الفقر ولا الضعف السياسي فقط .. وإنما انهيار الوعي .. حين يتحول الدين من رسالة أخلاق إلى ساحة صراع .. وحين يفقد الإنسان قدرته على رؤية الجمال الحقيقي في كلام الله . ولهذا كان يردد دائمًا أن العودة إلى القرآن ليست رفاهية فكرية .. وإنما ضرورة لإنقاذ الإنسان من نفسه .
فالقرآن .. كما يراه ليس كتاب للماضي وإنما مشروع حياة .. كتاب يعيد تشكيل الروح .. ويصنع إنسان أكثر رحمه واتزان ونبلا .. اذ يقول الله تعالي : ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ” .. صدق الله العظيم .. آية واحدة تختصر طريق النجاة كله : العدل الذي يحفظ الحقوق .. والإحسان الذي يرفع الإنسان فوق القسوة والأنانية .
وفي هذا العالم الذي امتلأ بالضجيج .. كان المشروع الفكري للشرفاء الحمادي محاولة لاستعادة صوت القرآن النقي .. الصوت الذي يدعو إلى السلام عوضا عن الكراهية .. وإلى البناء عوضاً عن الهدم .. وإلى أن يعيش الإنسان أخاً للإنسان لا خصماً له.
لم يكن يدعو إلى الضعف .. وإنما إلى القوة الأخلاقية .. القوة التي تمنع الظلم .. وتحفظ الكرامة .. وتنتصر للحق دون أن تسقط في مستنقع القسوة والانتقام .. كان يؤمن أن الحضارات لا تسقط حين تضعف مواردها فقط .. وإنما حين تفقد قيمها .. ولهذا حمل مشروعه رسالة واضحة : لن تستعيد الأمة مكانتها إلا إذا استعادت أخلاق القرآن .
فالقرآن لم يأتِ ليصنع أمة غاضبة من العالم .. وإنما أمة شاهدة على الناس بالعدل والرحمة .. لقوله تعالي : ” ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ” .. صدق الله العظيم .
كم يبدو هذا النداء الإلهي عظيم وسط عالم يرد الإساءة بإساءة أكبر .. والكراهية بكراهية أشد .. إنها دعوة للسمو الإنساني .. دعوة لأن ينتصر الإنسان على ظلام نفسه أولًا.
وفي نهاية الرحلة .. تبقى الحقيقة الأكثر إشراق : وهي أن القرآن لم يكن يوماً كتاب خوف .. وإنما كتاب حياة .. وأن الله حين أنزل هذا النور .. أراد للإنسان أن يتحرر من الجهل والقسوة والتعصب .. وأن يعيش بقلب أكثر رحمة وسلام .. وهذا هو جوهر المشروع الفكري الذي حمله علي الشرفاء الحمادي .. دعوة إلى أن نعود إلى القرآن لا لنختلف أكثر .. وإنما لنتعلم كيف نحب .. وكيف نعدل .. وكيف نصنع سلام يليق برسالة الرحمن .
فحين يعود الإنسان إلى كلام الله بقلب صادق .. يكتشف أن الرحمة كانت دائماً الطريق الأقرب إلى الله .. وأن السلام ليس حلم بعيد .. وإنما بداية الطريق إلى إنسانية تستحق الحياة .. اللهم اني قد بلغت اللهم فاشهد .