قراءة في سفر الذاكرة والتجربة المعرفية للدكتور ناصر البكر

قراءة في سفر الذاكرة والتجربة المعرفية للدكتور ناصر البكر

يكتب عبدالرحمن الراوي
ليس أدب الذاكرة مجرد سرد عابر لذكريات مضت، أو استعراض رتيب لمواقف وشخوص طواهم الزمن؛ بل هو، في أصفى تجلياته، محاولة جريئة لإعادة اكتشاف الذات من خلال مرآة النص. وفي كتابه الصادر حديثاً عن "دار عصور للنشر والتوزيع" (2025م)، يضعنا الكاتب والباحث الدكتور ناصر عبدالله تركي البكر أمام سفر فكري وإبداعي فريد وماتع، يحمل عنواناً دالاً: "ذاكرتي الأدبية".

شجرة النَسَب والامتداد المعرفي
ينطلق المؤلف من بيئة أشرق فيها البيان وتأصلت لغة الضاد؛ فهو سليل دوحة لغوية عريقة، وغصن من شجرة البلاغة التي ورثها عن والدٍ كان "مهندساً للغة وروادها" (الاستاذ عبدالله بن تركي البكر). هذا الانتماء العميق لم يكن مجرد إرث عائلي، بل كان حفرًا مبكراً في وجدان طفل غرست فيه أمه "محبة الكلمة، والإنصات لحكايا الليل، وحفظ ترانيم الأمثال". من هذه البدايات العذبة، يتخذ المؤلف من القراءة وطناً، ومن الحرف ملاذاً للنجاة.

عوالم متقاطعة: بين الذاتي والغيري
ينسج الدكتور ناصر البكر خيوط كتابه ببراعة تجمع بين "الذاتية" و"الغيرية"، متنقلاً بالقارئ بين واحات الأدب القديم ومحطات الأدب الحديث. لا يقف الكتاب عند حدود الانطباع الشخصي، بل يغوص في نقد الحياة والكتب برؤية متأمل وخبير. فنراه يتجول في بساتين الشافعي، ويقف متبحراً عند زهد أبي العتاهية، ومكابرة المتنبي، وبيان الرافعي، وعقل الجاحظ الساخر، وصولاً إلى قراءة واعية في ملامح الأدب السعودي وتجليات حرصه على الأصالة والهوية.

ولا يقتصر الأثر على الأسماء الكلاسيكية، بل يتسع ليشمل "رسائل إلى شعراء وكتاب لم ألتقِ بهم"؛ وهي لفتة وجدانية عميقة تعكس كيف تتحول النصوص الغائبة إلى حضور طاغٍ في تكوين الوعي الإنساني والجمالي للقارئ.
المجالس الأدبية وبصمة الأثر
واحدة من أجمل إضاءات الكتاب تكمن في استحضاره لـ "ذاكرة المجالس الأدبية"؛ تلك المساحات التي لا يُرفع فيها صوت فوق صوت المعرفة. ينقلنا الكاتب إلى فضاءات الحوار الحي والمناقشات الفكرية التي لا تلبث أن تشق طريقها إلى صميم الحياة، مستعرضاً بحرارة منسابة محطات من ندواته ومحاضراته وورش العمل التي أقامها في "منارة حائل" ونوادي الأدب ومقاهي الثقافة، حيث يتفاعل النص مع الجمهور بصدق وحميمية.
الوعي المزدوج: القراءة بوصفها خلاصاً
يؤكد البكر من خلال ثنايا الكتاب أن القراءة والكتابة وجهان لعملة واحدة؛ فالكتابة ليست ترفاً نخبوياً، بل هي رد فعل داخلي وضرورة روحية لفهم الذات وإعادة ترتيب فوضى العالم. ويختتم البكر رحلته الماتعة بالتأكيد على الوفاء لمن كانوا "نصف المشوار وكل السند" (زوجته وأولاده)، في لمسة وفاء تعكس نقاء التجربة الإنسانية التي انبثق منها هذا الكتاب.
إن "ذاكرتي الأدبية" ليس مجرد كتاب يُقرأ ويُوضع على الرف، بل هو دليل إرشادي لكل محب للغة والجمال، ودعوة صادقة للتأمل في سر الكلمة حين تخرج من قلب صادق لتستقر في وجدان الأجيال. إنه عمل يثبت أن الأدب الحق هو الذي يضيء فينا عتمة الدرب، ويترك أثراً لا يمحوه الزمن.