الدكتور رضا عبد السلام يكتب : ولا تنسوا الفضل بينكم...لماذا؟!

الدكتور رضا عبد السلام يكتب : ولا تنسوا الفضل بينكم...لماذا؟!

الفضل صفة لصيقة بالمولي عز وجل سبحانه ... نعم.
فما من موضوع وردت فيه كلمة فضل إلا وكانت لصيقة بالمولي عز وجل، كقوله سبحانه "والله ذو الفضل العظيم" "وكان فضل الله عليك عظيما"..... 
والفضل في مفهومه العام، يعني تجاوز مرحلة الحقوق والواجبات، والصعود لمرحلة أسمى، وهي مرحلة الإحسان، أي العطاء بمستوى يفوق مستوى الحقوق والواجبات. ولهذا قال الحق في كتابه العظيم "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى" فلم يكتفي المولي سبحانه بأن يأمر بالعدل، بل أمر سبحانه بالإحسان، والإحسان بعد العدل في الترتيب دلالة علي السمو والتفرد.

والإنسان المُحسِن، هو إنسان بلغ مرحلة من السمو النفسي والروحي جعلته يتعامل بالفضل والإحسان لا بالحق والواجب.
فما أجمل أن يتشبه المخلوق بصفة من صفات الخالق سبحانه، بأن يكون من أولي الفضل، ولا يصل إلى تلك المرتبة من السمو النفسي إلا من بلغ مرحلة متقدمة من القرب من الخالق سبحانه. ولما لا، فهو يعطي دون انتظار مقابل، بل يقابل السيئة بالحسنة، والجحود بالعطاء. 

وبإنزال تلك الحقائق علي واقع مجتمعنا، ندرك حجم المأساة التي وصلنا إليها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فكل منا يقف للآخر بندية شديدة وقاسية، رأساً برأس، وعينا بعين، وحقا بحق وواجبا بواجب، ولهذا افتقدنا المودة والرحمة فيما بيننا علي مستوي المجتمع ككل، وعلي مستوى علاقاتنا في العمل وفي كل مكان.
ورغم أن الآية الواردة في سورة البقرة "ولا تنسوا الفضل بينكم" وردت بشأن العلاقة بين الزوجين، وأن العلاقة فيما بينهما ينبغي أن يكون قوامها المودة والرحمة، وعدم نسيان ما كان بينهما من لحطات ومواقف جميلة وطيبة، وحتي يتحقق ذلك، عليهما ان يتعاملا بالفضل والإحسان، وليس بالحق والواجب، إلا أن هذه الآية واجبة الانطباق في كل جانب من جنبات حياتنا وعلاقاتنا.
لقد تحولت حياتنا إلى حياة مادية جافة قوامها المصلحة والحق والواجب، ولهذا افتقدنا السعادة والمتعة والسكينة والابتسامة الصافية واللقاء البريء من أي غرض مادي، بل افتقدنا إنسانيتنا.
فالاسلام والقرآن الكريم هو الدستور الوحيد الذي عرفته البشرية حتى تاريخه الذي تجاوز مرحلة الحقوق والواجبات، وارتقي بالإنسان الي مرحلة الإحسان وهو أمر لا تعرفه كافة المواثيق الوضعية سواء علي مستوي الدول أو المؤسسات الدولية.
ما أحوجنا لعودة سريعة قبل أن يجرفنا التيار أكثر فأكثر، لأن ما ينتظرنا في هذا المسار أشد قسوة مما نعيشه الآن. ما أحوجنا لأن نعود سريعاَ، "وإن عدتم عدنا".
فالفارق بين حياة البشر وحياة باقي المخلوقات، هو تحكيم العقل، وبالعقل، نحيا بكرامة ومودة ومحبة وتعاون وإيثار، عندها سنعرف جميعا معنى السعادة الحقيقية، وسيكون كل منا سندا للآخر وعونا له ومدافعا عنه حتي في غيبته.
وفقنا الله واياكم لما فيه الصالح.

كاتب المقال : الاستاذ بكلية الحقوق ومحافظ الشرقية الأسبق وعضو مجلس النواب