احمد شعبان محمد يكتب : حين تُنسب إلى البشر قدرات الغيب

احمد شعبان محمد يكتب : حين تُنسب إلى البشر قدرات الغيب

- قراءة في الجزء الثاني من مقال «الكرامات والأولياء» للمفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي

بعد التساؤل عن حق الإنسان في الحكم على صلاح غيره ومكانته عند الله، ننتقل إلى قضية تترتب على هذا الحكم: نسبة قدرات غيبية إلى أشخاص، والاعتقاد بأنهم يملكون كشف الضر، وقضاء الحاجات، وضمان استجابة الدعاء.

وفي هذا الجانب من مقاله، يعرض المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي تلك الادعاءات على ما أعلنه الرسول عن حدود قدرته، مستشهدًا بقول الله تعالى:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[الأعراف: ١٨٨]

وهذا الاستشهاد يضع أمامنا سؤالًا مباشرًا: بأي أساس ننسب إلى إنسان معرفة الغيب، أو نمنحه ضمانًا للتصرف في مصائر الناس، والرسول نفسه يعلن هذه الحدود؟

وتبدأ مسؤوليتنا من التمييز بين احترام الإنسان وبين الاعتقاد بامتلاكه سلطة غيبية. فنحن نعرف من الناس أعمالًا نافعة، ونقدّر علمهم وإحسانهم، ونحفظ لهم أثرهم الطيب. أما مقامهم عند الله، وما تخفيه نفوسهم، فأمر يعلمه سبحانه.

وحين نتناول ما يُروى عن السيد البدوي أو غيره، ينبغي فحص كل دعوى على حدة. فشهرة الحكاية وكثرة ناقليها لا تمنحانها دليلًا، وتأثر الناس بها لا يثبت أن صاحبها يملك ما ينسبونه إليه. كما أن واقعةً نجهل تفسيرها تظل محتاجة إلى البحث والتحقق؛ وجهلنا بسببها لا يكفي لإثبات قدرة غيبية لشخص بعينه.

وتشتد خطورة الأمر حين تتعلق به حاجات الناس وآلامهم. فالمريض يتشبث بالأمل، والخائف يبحث عن الأمان، والمحروم يتطلع إلى الفرج. ومن يستثمر هذه المشاعر ليعد الناس بشفاء مضمون أو رزق محتوم يحمل مسؤولية ما يزرعه في وعيهم، وما يدفعهم إليه من تصرفات.

ومن مقتضيات الرحمة أن نعين المريض على الوصول إلى العلاج، وأن نساند المحتاج، وأن نحرر الخائف من استغلال خوفه. ومن مقتضيات العدل أن نخضع ادعاءات الأشخاص للفحص، وأن نصون أموال الناس وكرامتهم وحقهم في المعرفة.

والاعتقاد بأن الدعاء لا يصل إلى الله إلا عبر شخص مخصوص يضع حاجزًا في علاقة الإنسان بربه، بينما يفتح القرآن أمامه باب التوجه المباشر:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[البقرة: ١٨٦]

ويحفظ الإنسان هذا القرب بالإيمان والعمل وتحمل المسؤولية؛ فيدعو ربه، ويسعى إلى رزقه، ويطلب العلاج، ويستعين بخبرة الآخرين فيما يعلمون ويقدرون عليه. ولكل وسيلة مجالها الذي تتحقق فيه فائدتها.

أما من فارقوا الحياة، فنحفظ ذكراهم بما ثبت من خيرهم، وندعو لهم، ونواصل الأعمال النافعة التي خدموا بها الناس. وتظل مسؤولية معالجة واقعنا قائمة على الأحياء، بما يملكون من معرفة وجهد وتعاون.

وفي ضوء هذه القراءة، تبرز أهمية الرسالة التي تحملها مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى العالم أجمع: ترسيخ الرحمة والعدل والسلام، وصيانة كرامة الإنسان من الاستغلال باسم الدين الإسلامي. ويتصل بذلك نشر الوعي الذي يعين الناس على فحص الادعاءات، ويحفظ لهم حرية السؤال، ويربط الإيمان بالسلوك النافع وخدمة الإنسان.

فالوفاء للصالحين يتجسد في الاقتداء بما ثبت من إحسانهم، وتعظيم الله يتجسد في إخلاص التوجه إليه، وخدمة الحياة تتجسد في علم نحصّله، وضرر نرفعه، وحق نصونه.

كاتب المقال :عضو الأمانة العامة لمؤسسة رسالة السلام العالمية