التميمي: مواجهة التطرف معركة تستند على الوعي ولا يمكن كسبها إلا من خلال بناء سرديات بديلة
قال الدكتور علاء التميمي، مدير إدارة البحوث الاستراتيجية بجامعة الدول العربية، إن التحدي الذي نواجهه اليوم لم يعد تقليديًا، ولا يمكن التعامل معه بالأدوات التقليدية وحدها.
جاء ذلك خلال استعراضه لورقة العمل التي قدمها في ورشة بعنوان: "ادماج سياسات مكافحة التطرف في التدابير الوطنية لمكافحة الإرهاب، والتي عقدت يومي 22-23 أبريل 2026، بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
وقال التميمي إن ورقة العمل المقدمة تطرح رؤية استراتيجية تعتبر أن التحدي المعاصر في مواجهة التطرف لم يعد مرتبطًا بندرة المعلومات، بل بقدرة الفاعلين على التأثير في الوعي وصياغة السرديات. فالمعركة الحقيقية انتقلت من المجال المادي المباشر إلى فضاءات غير مرئية، مثل الخوارزميات والمحتوى الرقمي واللغة، حيث تتشكل القناعات وتُعاد إنتاجها. وبذلك، لم يعد الأمن مقتصرًا على حماية الحدود، بل أصبح مرتبطًا بحماية “المحتوى” وتقديم روايات مقنعة للشباب حول المستقبل، تمنع الفراغ الذي قد تملؤه أفكار متطرفة.
واستعرض التميمي، موضوع ورقة العمل من خلال أربعة محاور رئيسة، وهي: المحور الأول: التحول في طبيعة التهديد (الجانب التقني). والمحور الثاني: البعد النفسي للتطرف. والمحور الثالث: الدور الاستراتيجي لمراكز الفكر. والمحور الرابع: الفجوة بين المعرفة وصناعة القرار.
وأضاف، أن التطرف اليوم لم يعد يحتاج إلى تنظيمات معقدة، بل يكفيه محتوى ذكي وسردية جذابة. فالفرد لم يعد متلقيًا فقط، بل أصبح فاعلًا ومُعيد إنتاج للمحتوى، ما وسّع دائرة التأثير وجعلها عابرة للحدود وسريعة الانتشار. وتبرز فكرة محورية مفادها أن التطرف لا ينتشر لقوته المنطقية، بل لقدرته على مخاطبة المشاعر بوضوح وجرأة، ما يستدعي بناء بدائل أكثر جاذبية وتأثيرًا. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحول استراتيجي في التعامل مع ظاهرة التطرف، تقوم على: الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. والانتقال من الخطاب النظري إلى التأثير الفعلي. وبناء منظومة متكاملة بدل المبادرات المتفرقة.
وأشار إلى أن التحدي الذي أمامنا ليس تقنيًا فقط، بل استراتيجي. وترتكز هذه المنظومة على ثلاث دعائم رئيسية: الفهم الدقيق: عبر تحليل كيفية انتشار الأفكار ومن يؤثر فيها ولماذا تنجح بعض الرسائل. وصناعة السردية البديلة: من خلال تقديم خطاب أكثر إقناعًا وإنسانية بدل الاكتفاء برفض التطرف. وتمكين الفاعلين: من خلال إشراك صناع المحتوى والمفكرين ورواد الأعمال في المواجهة.
وقال "من هنا، فإن المقاربة الأمنية بحاجة إلى تطوير نوعي. ليس فقط عبر تعزيز القدرات التقليدية، بل عبر دمج أدوات تحليل البيانات، وفهم أنماط التأثير الرقمي، وتتبع مسارات تشكّل القناعات. المطلوب اليوم هو الانتقال من ملاحقة التهديد إلى استباقه، ومن التعامل مع النتائج إلى التأثير في الأسباب. وهذا يتطلب ثلاث خطوات واضحة: بناء قدرات رصد متقدمة. وتطوير تدخلات ذكية تستهدف لحظات التأثر. والعمل مع شركاء غير تقليديين".
وأشار إلى إن غالبية الدراسات، تؤكد إن جذور التطرف ليست فكرية فقط، بل نفسية بالأساس، حيث يبحث الفرد عن تبرير فكري لسلوكيات نابعة من أزمات داخلية. وهذا ما يفسر ظهور التطرف عبر مختلف الأديان والأيديولوجيات. وأن الأوضاع العالمية وسوء إدارة الأزمات ساهمت في تضخم هذه الظاهرة، ما أدى إلى حالة من الانقسام والاضطراب. وبالتالي، فإن معالجة التطرف تتطلب فهمًا أعمق للدوافع النفسية، وليس الاكتفاء بمواجهة مظاهره الفكرية.
وفي الختام، أكد التميمي، أن مواجهة التطرف هي معركة على الوعي بقدر ما هي معركة أمنية، ولا يمكن كسبها عبر المنع أو الخطاب المضاد فقط، بل من خلال بناء سرديات بديلة، وفهم عميق قائم على الأدلة، وسياسات ذكية تستهدف الجذور لا الأعراض. وفي هذا السياق، تمثل مراكز الفكر العربية ركيزة أساسية، بشرط إعادة تعريف دورها كشريك فعلي في صناعة القرار، وليس مجرد منتج للمعرفة.