رامي زهدي يكتب.. كيف تحولت إثيوبيا من دولة حبيسة جغرافياً فقط إلى دولة حبيسة الأفكار؟

رامي زهدي يكتب.. كيف تحولت إثيوبيا من دولة حبيسة جغرافياً فقط إلى دولة حبيسة الأفكار؟

لم تعد أزمة إثيوبيا الحقيقية مرتبطة فقط بكونها دولة فقدت منفذها البحري منذ انفصال إريتريا عام 1993، بل باتت الأزمة الأعمق والأكثر خطورة كامنة في طبيعة العقل السياسي الذي يدير الدولة ذاتها؛ عقل مأزوم بالتصورات الإمبراطورية القديمة، ومثقل بأوهام التفوق الإقليمي، ومندفع نحو مشاريع أكبر بكثير من قدراته الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية، فالدولة التي تحولت جغرافيا إلى دولة حبيسة، تحولت سياسيا واستراتيجيا إلى دولة حبيسة الأفكار أيضا، سجينة روايات تاريخية متجاوزة، وأسيرة نزعات توسع لا تتسق مع معادلات القرن الحادي والعشرين ولا مع حقائق القوة الصلبة والناعمة داخل الإقليم الإفريقي شديد التعقيد.

إثيوبيا اليوم ليست فقط دولة بلا ساحل، وإنما دولة بلا قدرة حقيقية على التكيف مع حدود الواقع، وهنا تكمن المعضلة الكبرى، فالدول الطبيعية عندما تواجه قيودا جغرافية، تعمد إلى تعويضها عبر الاقتصاد والتكامل الإقليمي والشراكات الذكية والانفتاح السياسي، بينما اختارت النخبة الإثيوبية الحاكمة طريقا مغايرا تماما، يقوم على تصدير الأزمات للخارج، وإحياء الخطابات الإمبراطورية القديمة، وخلق عدو دائم في المحيط الإقليمي، باعتبار ذلك الوسيلة الأسهل لتوحيد الداخل المنقسم والمتشظي إثنيا وسياسيا.

ورغم أن إثيوبيا تضم أكثر من 120 مليون نسمة، ما يجعلها ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان بعد نيجيريا، إلا أن هذا الثقل الديموغرافي لم يتحول إلى استقرار استراتيجي، بل أصبح عبئا مركبا في ظل اقتصاد يعاني من اختلالات عميقة، ومديونية خارجية تجاوزت 28 مليار دولار، وتضخم وصل في بعض الفترات إلى أكثر من 30%، فضلا عن اتساع رقعة الفقر والبطالة والنزاعات الداخلية، وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن الحرب في إقليم تيجراي وحدها كلفت الاقتصاد الإثيوبي مليارات الدولارات، وأدت إلى تراجع معدلات النمو بشكل حاد، ناهيك عن التداعيات الإنسانية الكارثية التي خلفتها الحرب والتي دفعت ملايين المواطنين نحو حافة المجاعة والنزوح.

لكن بدلا من معالجة هذا الانهيار البنيوي داخليا، اختارت القيادة الإثيوبية توجيه البوصلة نحو الخارج، عبر محاولة خلق سردية قومية قائمة على الحق التاريخي الوهمي في الوصول إلى البحر، وكأن القرن الإفريقي ملكية جغرافية مؤجلة ينبغي إعادة توزيعها وفقا للرغبات الإثيوبية لا وفقا للقانون الدولي والسيادة الوطنية للدول المستقلة، وهنا تحديدا تظهر خطورة العقل السياسي الإثيوبي الحالي؛ فهو عقل لا يتعامل مع الإقليم باعتباره مساحة شراكة، وإنما باعتباره ساحة نفوذ مفترضة ينبغي إخضاعها تدريجيا.

إن الاتفاق المثير للجدل الذي سعت أديس أبابا لإبرامه مع ما يسمى أرض الصومال مطلع عام 2024 لم يكن مجرد خطوة اقتصادية مرتبطة بميناء أو قاعدة بحرية، بل كان تعبيرا واضحا عن أزمة ذهنية عميقة داخل الدولة الإثيوبية، فحين تحاول دولة بحجم إثيوبيا القفز فوق سيادة الصومال ووحدة أراضيه مقابل أوهام جيوسياسية قصيرة النظر، فإن ذلك يكشف أن الأزمة ليست أزمة منفذ بحري بقدر ما هي أزمة إدراك سياسي واستراتيجي.

والأخطر أن هذا السلوك لم يعد يثير القلق داخل القرن الإفريقي فقط، بل بات يزعج قوى دولية وإقليمية عديدة، لأن أي محاولة لإعادة هندسة الخرائط أو خلق كيانات موازية داخل منطقة شديدة الهشاشة مثل القرن الإفريقي قد تفتح أبوابا واسعة للفوضى والصراعات العابرة للحدود، فالإقليم الذي يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة ضخمة من التجارة الدولية، لا يحتمل مغامرات سياسية مدفوعة بأحلام التفوق أو عقد التاريخ.

ومن المفارقات اللافتة أن إثيوبيا التي تتحدث كثيرا عن الحقوق التاريخية تتجاهل في الوقت ذاته حقائق الجغرافيا السياسية الحديثة، فهناك أكثر من 40 دولة حبيسة حول العالم، كثير منها نجح في بناء نماذج اقتصادية وتنموية مستقرة دون أن يحول عقدته الجغرافية إلى مشروع ابتزاز سياسي لجيرانه، سويسرا مثلا دولة حبيسة، وكذلك النمسا وأوغندا ورواندا، لكن أيا منها لم يتعامل مع البحر باعتباره مبررا للتوتر الإقليمي أو منصة لإحياء نزعات الهيمنة.

أما في الحالة الإثيوبية، فقد تحولت الجغرافيا إلى ذريعة دائمة لتبرير النزعة التوسعية، وهنا يجب الانتباه إلى نقطة شديدة الأهمية؛ فإثيوبيا ليست قوة عظمى، لا اقتصاديا ولا عسكريا ولا تكنولوجيا ولا حتى على مستوى التماسك الداخلي، بل إن الدولة تواجه حاليا تحديات وجودية حقيقية، بدءا من الصراعات العرقية المسلحة، مرورا بأزمات الفيدرالية الإثنية، وصولا إلى التراجع الاقتصادي الحاد والانقسامات المجتمعية المتصاعدة، وبالتالي فإن محاولة تصدير صورة القوة المهيمنة ليست سوى محاولة لتعويض هشاشة الداخل عبر استعراضات الخارج.

ولعل أزمة سد النهضة تقدم نموذجا واضحا لهذه الذهنية. فمنذ سنوات، تتعامل أديس أبابا مع المشروع ليس باعتباره مشروعا تنمويا قابلا للتفاوض والتنسيق، وإنما باعتباره رمزا قوميا فوق أي نقاش، رغم أن قواعد القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود تقوم على مبدأ عدم الإضرار والتوافق والتعاون المشترك، وبدلا من بناء الثقة مع دولتي المصب، اختارت إثيوبيا إدارة الملف بمنطق فرض الأمر الواقع والمراهنة على عامل الوقت والدعاية الداخلية.

لكن الحقيقة التي تتجاهلها النخبة الإثيوبية أن القوة لا تقاس بالصوت المرتفع أو الخطاب التعبوي أو محاولات صناعة البطولات الإعلامية، وإنما تقاس بالقدرة على بناء دولة مستقرة ومؤسسات متماسكة واقتصاد قادر على الاستمرار، فالدول التي تعيش على خطاب العظمة التاريخية دون امتلاك أدواتها الحقيقية تتحول مع الوقت إلى رهائن لأوهامها الذاتية.

كما أن الرهان الإثيوبي على التناقضات الدولية والإقليمية يحمل في داخله مخاطر هائلة، فالقرن الإفريقي لم يعد ساحة هامشية في الحسابات الدولية، بل أصبح نقطة ارتكاز استراتيجية تتنافس عليها قوى كبرى وإقليمية متعددة، من الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى تركيا ودول الخليج وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن أي سلوك غير محسوب قد يدفع المنطقة بأكملها نحو موجات جديدة من عدم الاستقرار، وهو ما قد ينعكس على إثيوبيا ذاتها قبل غيرها.

وفي المقابل، تبدو المقاربة المصرية أكثر اتزانا وعمقا على المستوى الإفريقي، فالقاهرة تتحرك بمنطق الدولة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يبنى عبر افتعال الأزمات، وإنما عبر الشراكات والتنمية والتكامل ودعم مؤسسات الدولة الوطنية واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولذلك شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا واضحا في الحضور المصري داخل القارة، سواء عبر مشروعات البنية التحتية والطاقة والربط اللوجستي، أو عبر التوسع في التعاون الأمني والعسكري والتنموي مع العديد من الدول الإفريقية.

ومن هنا يمكن فهم سبب القلق الإثيوبي المتزايد من عودة مصر القوية إلى عمقها الإفريقي؛ فالقاهرة تتحرك وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى، بينما تتحرك أديس أبابا في كثير من الأحيان بمنطق ردود الأفعال والهروب للأمام، والفارق بين الدولتين أن مصر تتعامل مع إفريقيا باعتبارها فضاء شراكة حضارية وتاريخية ومصلحية، بينما لا تزال قطاعات داخل النخبة الإثيوبية تنظر للإقليم بعين الوصاية والتفوق العرقي والسياسي.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الحصار الجغرافي، بل الحصار الفكري، فالدولة التي تصبح سجينة أوهامها، وتتعامل مع التاريخ باعتباره تفويضا مفتوحا للهيمنة، وتخلط بين الطموح المشروع والنزعة التوسعية، تتحول تدريجيا إلى مصدر قلق دائم لجوارها ولذاتها أيضا. وإثيوبيا اليوم تقف أمام هذا الاختبار الحاسم؛ إما أن تعيد تعريف دورها باعتبارها دولة إفريقية طبيعية تبحث عن التنمية والاستقرار والتعاون، أو تستمر في مطاردة سراب الإمبراطوريات القديمة حتى تستنزف ما تبقى من توازنها الداخلي.

فالمشكلة الحقيقية ليست أن إثيوبيا دولة حبيسة جغرافيا، بل أنها أصبحت حبيسة تصور ذهني يرفض الاعتراف بحدود الواقع، ويصر على العيش داخل خرائط انتهى زمنها منذ عقود، وحين تصبح الدولة سجينة أفكارها، فإن أخطر البحار التي تفشل في الوصول إليها ليست البحار الجغرافية، بل بحار الحكمة السياسية والعقل الاستراتيجي الرشيد.