مجدى طنطاوى يكتب لا تسمح لليأس أن يهزمك

مجدى طنطاوى يكتب لا تسمح لليأس أن يهزمك

في أوقات الإخفاقات الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة وتزايد نفوذ أصحاب المصالح والقوة قد يظن البعض أن المستقبل قد أُغلق وأن الإصلاح أصبح مستحيلا وأن إرادة الشعوب باتت عاجزة أمام سطوة المال والنفوذ لكن قراءة التاريخ وقراءة سنن الله في الحياة تؤكد أن دوام الحال من المحال وأن القوة مهما بلغت ليست قدرا أبديا لا يتغير

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس الأزمة الاقتصادية ذاتها بل حالة اليأس الجماعي التي تدفع الناس إلى الاستسلام والقبول بالواقع وكأنه مصير محتوم لا سبيل إلى تغييره فحين يموت الأمل تتوقف المبادرات وتتراجع الإرادة ويصبح الفشل أمرا طبيعيا في نظر الناس

لكن المؤمن يدرك أن الأسباب مهما عظمت فإنها تبقى أسبابا وأن القرار الأخير لله وحده وأن التحولات الكبرى في حياة الأمم لم تبدأ يوما من امتلاك القوة المطلقة بل بدأت من الإيمان بإمكانية التغيير والعمل الدؤوب لتحقيقه

لقد علمنا القرآن أن نقوم بواجبنا دون أن نرهن إرادتنا بحسابات القوة المادية وحدها وأن نستمر في السعي والإصلاح مهما كانت الموانع لأن النتائج ليست ملكا للبشر

وفي ميدان الدعوة والإصلاح الفكري والاجتماعي والسياسي نحن نسعى إلى هداية الدلالة والبيان ونطرح الحجة ونوضح الطريق أما هداية التوفيق وتغيير القلوب وصناعة التحولات الكبرى فهي بيد الله وحده

ومن هنا فإن الإخفاقات الاقتصادية أو اتساع نفوذ مراكز القوة لا ينبغي أن يتحولا إلى مبرر لليأس أو القعود بل إلى دافع لمزيد من العمل والاجتهاد والبحث عن الحلول وإحياء الوعي بين الناس

إن كثيرا من أصحاب النفوذ يراهنون على شعور الناس بالعجز أكثر مما يراهنون على قوتهم الحقيقية لأن الإنسان إذا فقد الأمل هزم نفسه بنفسه قبل أن يهزمه غيره

ولهذا كان المحبطون والمثبطون شركاء في صناعة الهزيمة النفسية حين يرددون أن لا فائدة من الإصلاح وأن لا جدوى من الكلمة الصادقة وأن النفوذ أقوى من الحق

لكن سنن الله تقول غير ذلك فكم من قوى بدت راسخة ثم تهاوت وكم من أوضاع ظن الناس أنها باقية ثم تبدلت وكم من شعوب خرجت من أزمات خانقة إلى آفاق أوسع لأنها رفضت الاستسلام

إن واجبنا أن نأخذ بكل الأسباب الممكنة وأن نواصل السعي والعمل وأن نتمسك بالأمل مهما اشتدت الظروف لأن اليأس ليس حلا لأي أزمة بل هو أخطر الأزمات جميعا

فما دام الله هو صاحب القرار الأخير فلا يجوز للمؤمن أن يستسلم لسطوة النفوذ ولا لضيق الأحوال الاقتصادية ولا لضجيج المحبطين بل يمضي في طريقه واثقا بأن الله قادر على أن يغير الموازين ويبدل الأحوال ويحقق من أمره ما يشاء في الوقت الذي يقدره سبحانه بحكمته وعدله.