دكتورة فينوس فؤاد تكتب "سهير عبد السلام" تواجه تحديات الاعلام الجديد بالتربية الاعلامية

دكتورة فينوس فؤاد تكتب "سهير عبد السلام" تواجه تحديات الاعلام الجديد بالتربية الاعلامية

في ظل التدفق المعلوماتي الهائل مع تعدد وسائل التواصل الاجتماعي و تعدد المنصات الاعلامية و عدم خضوع معظمها للضوابط الرقابية لأنها تبث من الخارج لذا لا تخضع للقوانين المنظمة للإعلام في مصر ، و وسط جهود الدولة المستمرة لترشيد استخدام وسائل التواصل ، و إنشاء الدولة لمنصات اعلامية لتصحيح المفاهيم والمعلومات المغلوطة و استحداث التشريعات الضابطة لها وعلي الرغم من كل ذلك لا يزال من الصعب رصد و مراجعة و ترشيد كل ما يعرض علي ابنائنا و بناتنا بمختلف اعمارهم و ثقافاتهم ، فظهرت الحاجة الي ما يعرف باسم "التربية الاعلامية".

حيث تشير الدراسات العلمية إلى أن معظم معلومات الطالب يحصل عليها من وسائل الإعلام و يتفاعل معها بصورة تؤثر علي درجة التلقي للمناهج الدراسية ، لذا أصبح من غير المنطقي الاعتماد على الوسائل التربوية القديمة في التربية والتنشئة والتوجيه والتعليم دون الاعتماد على آليات الإعلام الجديد التي فرضتها ثورة المعلومات التي اصبحت تسابق الزمن في التطوير ، بعد ان أصبح الإنسان أسيرًا للمعلومات التي تحاصره.

 كما تشير نتائج البحوث المتخصصة ان معظم المعارف التي يكتسبها الفرد تكون عن طريق حاستي السمع والبصر ، وأن استيعاب الفرد للمعلومات يزداد بنسبة 70% عند استخدام الصورة والصوت وأن مدة احتفاظه بهذه المعلومات بالمقارنة بالمعلومات المقرؤة تزداد بسبب التزاوج بين حاستي السمع والبصر.

كما يؤكد علماء التربية الحديثة إن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي يأتي بعد الأم والأب مباشرة فاصبح ما يعرض من خلالها يشكل المكون الأساسي لمعارف الطلاب لذا أصبح من المستحيل الاعتماد فقط على المناهج الدراسية الجافة في التربية والتنشئة والتوجيه دون استخدام وسائل الإعلام الحديثة و المتطورة و ما تمثله من الحاح اعلامي و زخم هائل من البرامج والأفلام التي اصبحت الآن أحد المراجع الأساسية في سلوك الطفل والنشء وتربيته وتعليمه.

التربية الاعلامية بين المفهوم والتطبيق

"التربية الإعلامية" هي إكساب الفرد مهارات التفكير الناقد لفهم وتحليل الرسائل الإعلامية الرقمية ، ومواجهة تحديات الإعلام الجديد المتمثلة في التضليل ، والتشتيت ، والأخبار الكاذبة ، وانتهاك الخصوصية ، كما تهتم بتصحيح الآثار السلوكية السلبية لثورة المعلومات.

حيث تشير بعض الأدبيات إلى أن المناهج الدراسية في معظم دول العالم العربي والإسلامي تفتقر إلى وجود "مادة التربية الإعلامية" في مناهجها الدراسية علي الرغم من ما سبق ذكره من تأثير الإعلام الكبير على كل قطاعات المجتمع .

وهنا اصبح من الاهمية شرح كل ما يخص عصر المعلومات والتدفق المعرفي للشباب ؛ إلى جانب تأكيد منظومة القيم التي تشكل الخصوصية الثقافية العربية ومن أهمها القيم المجتمعية والأخلاقية والعادات والتقاليد والموروث الشعبي لكي يستطيع الشباب و النشئ التحاور مع الثقافات الأخرى من منطلق النّدّية لا التبعية ؛ حتى لا يصبحوا فريسة لأي ثقافة غالبة أو مسيطرة في عصر التكنولوجيا بل يكونوا مؤهلين لتبادل التأثير والتأثر من منطلق استقلالية الثقافة العربية وما تتمتع به من عناصر القوة ومقومات التأثير بهدف مقاومة تأثير الإعلام الغربي المسيطر على أخلاقيات الشباب وسلوكياتهم في الدول العربية والإسلامية المستقبلة له في ظل الفوضى السائدة في المجال الإعلامي الخارجي الموجه بعد أن فقدت الدول قدرتها على التصدي للبث الإعلامي الخارجي والاكتساح الثقافي الأجنبي ولم يعد بإمكانها التشويش على وسائل الإعلام الجديد غير المرغوب فيه

سهير عبد السلام "التربية الاعلامية و تحديات الاعلام الجديد"

في كتابها "التربية الإعلامية وتحديات الإعلام الجديد" تناولت "عبد السلام" استخدام الجماعات الارهابية لوسائل الاعلام والتواصل الاعلامي المختلفة و قد دقت ناقوس الخطر في هذا الكتاب الي عدم القدرة علي السيطرة علي تلك الحرب مستقبلا لتشغب ادواتها و انتشارها بسرعة فائقة في ظل استخدام عشوائي لوسائل التواصل الاجتماعي في مجتمع غير مؤهل للتعامل معها، مجتمع يقدم علي اعادة نشر معلومات غير موثقة و مضللة والتعامل معها باعتبارها حقائق مؤكدة.

تقدم "عبد السلام" في هذا الكتاب دراسة حالة للانسان المعاصر في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، و شبكة الإنترنت، ووسائل الإعلام الجديد ، حيث تؤكد "ان الإنسان في ظل هذا العالم – إن لم يكن يملك المعرفة به – لن يستطيع الولوج إليه، وإن ولج إليه من دون معرفة هلك وأهلك محيطه معه، وما بين الأمرين تبقى المعرفة بأساسيات المعلومات والإعلام، أمرًا بالغ الأهمية لاسيما بين أوساط الشباب وهم فئةٌ أكثر استخدامًا لذلك العالم ووسائله، وأكثر استهدافًا من قوى تستتر خلف هذه الوسائل وتستخدمها"

كما أشارت إلي ضرورة "دراسة الطلاب لمقرر التربية الإعلامية يكون ضمن المناهج والمقررات الدراسية، و كذلك تقديمه من خلال دورات تدريبية لفئات المجتمع الأخرى"، فلم يعد بإمكان الدول والحكومات أن تفرض على الشعوب الانغلاق أو الانعزال عن العالم، أو إهدار مكتسبات التطور التقني والرقمي والتخلف عن ركبه، كما لم يعد بإمكان أي حكومة في أي دولة مواجهة فيض المعلومات المتناقضة والمغلوطة والشائعات التي تصل إلى مواطنيها، أو محاربة مصادرها غير المعلومة ؛ لذا أصبح "إشراك المواطن في تحمل المسؤولية الاجتماعية في تعامله مع وسائل الاتصال والإعلام بتطوراتها المتسارعة، أمرًا بالغ الأهمية ؛ إذ يتطلب نشر الوعى والمعرفة بتلك الوسائل وما توفره من امتيازات وما ينتج عنها من مخاطر، فضلا عن اكتساب المهارات اللازمة للتعامل مع ما تتضمنه من رسائل إعلامية"

كما يشير الكتاب الي اهمية نقد المعلومات وتحليلها، والتأكد من موثوقيتها وموضعيتها والسياق الذى جاءت فيه، واستنتاج الأهداف منها والدوافع خلفها، وتحديد أوجه الإفادة منها"

 الكتاب يهدف الي القاء الضوء علي اهمية "التدريب العملي" على مهارات "تقييم محتوى الرسائل الإعلامية ومضمونها" ، وأيضًا محاولة إنتاجها وإبداعها، كما يعرض الكتاب أهم التحديات التي تطرحها حروب الجيل الرابع عبر وسائل الإعلام الجديد، التي قد لا يدركها كثيرٌ من المتفاعلين عبر تلك الوسائل، مما قد يؤدى إلى وقوعهم ضحايا للجرائم الإلكترونية و نشر معلومات وأخبار قد تضر بالوطن والمواطنين ، ليصبح المواطن هو خط الدفاع الأول عن وطنه.

كما تتبني "سهير عبد السلام" في مؤلفاتها المتعددة غير هذا الكتاب الي الالتزام بتوصيات اليونسكو بالاهتمام بتدريس مادة "التربية الاعلامية" التي تهدف الي توعية الشباب في مختلف مراحلهم الدراسية بضرورة التحقق في كل ما ينشر و يبث علي مواقع التواصل الاجتماعي من اجل التمييز بين الغث والثمين و تصحيح المعلومات المغلوطة من منابر الاعلام الاصلية للدول والمؤسسات.

كما دعت الي تطبيق التحليل النقدي للمحتوي الابداعي المقدم علي شبكات التواصل الاجتماعي لتكتمل المنظومة للتعامل مع هجمات الاعلام الموجه سياسيا بهدف هدم الشعوب و زعزعة امن المجتمعات.

كما نوهت "سهير عبد السلام" في دراساتها المختلفة المتخصصة والتي تشكل جزءََ هاماََ منها دراسة بعنوان" التوجه الأيديولوجي وأثره على الثقافة السياسية" و استمرت تنادي بخطورة تحليل البيانات لتفاعل المجتمعات مع وسائل التواصل الاجتماعي الذي تستغله بعض الدول الاعداء في شن حملات ممنهجة باستخدام تلك البيانات التي تضاهي البيانات الاستخباراتية

 كما تتبني "سهير عبد السلام" في دراساتها اراء فلاسفة يبنون رؤيتهم ونظرياتهم الفكرية علي رؤية شمولية بانورامية تتناول الموضوع أو القضية المدروسة من عدة زوايا بصورة شاملة متعددة التفسيرات للمشكلة الواحدة ، وهذا ما حرصت عليه في دراساتها و اسلوب عملها حيث تتناول أي قضية من كافة الاوجه المؤثرة بها بموضوعية تامة .

كما اهتمت ابان فترة عضويتها في مجلس الشيوخ وعملها وكيلة للجنة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار به بتطوير التعليم وتحسين مستوي التلقي و ممارسة التفكير النقدي من اجل اصلاح المجتمع ككل ؛ لذلك اختارتها أكاديمية النيل للعلوم الحديثة والتنمية البشرية ضمن أفضل الشخصيات الإبداعية المطورة على مستوى الوطن العربي

كما تتميز الدكتورة "سهير عبد السلام"  أستاذة الفلسفة السياسية والعميدة السابقة لكلية الآداب بجامعة العاصمة (حلوان سابقا) ،  بمؤلفاتها التي تجمع بين التحليل الفلسفي وقضايا التربية والمجتمع و من أبرزها ايضا كتاب "مفهوم الإغتراب عند هربرت ماركيوز"  حيث يحلل الكتاب رؤية الفيلسوف وعالم الاجتماع "هربرت ماركيوز" لمفهوم الإغتراب عن طريق تفكيك عميق للنظرية  ومحاولات تحرير الإنسان من السيطرة التكنولوجية والاجتماعية في المجتمعات المعاصرة ، كما يعتمد الكتاب في كثير من تحليلاته على نظرية ماركيوز التي وردت في كتابه (الإنسان ذو البعد الواحد)، ليبين كيف أدت الرأسمالية المعاصرة إلى تدجين العقول وخلق "إنسان مستلب الإرادة" فاقد القدرة على النقد  ، و من ثم يقع الفرد فريسة للسيطرة و القمع ، كما تناقش "سهير عبد السلام" في هذا الكتاب كيف تتسرب آليات السيطرة والتنظيم الاجتماعي المستهدف إلى وعي الإنسان اليومي، مما يجعله خاضعاً ومغترباً عن ذاته الحقيقية وعن الطبيعة العربية وسط المجتمع الذي يعيش به، كما تناقش دور الفن والخيال من خلال  الحلول التي طرحها "ماركيوز" للخروج من هذا الاغتراب، والتي ترتكز "عبد السلام" بشكل أساسي على ملكة الخيال، والجمال (الفن)، باعتبارها ملاذاً ومساحة للثورة الروحية ضد الواقع القمعي ، لذا اري انه من الأهمية الاشارة الي تلك الأبحاث والجهود الاكاديمية التي نحتاجها في الوقت الراهن لمواجهة اهم المشكلات الحالية التي تواجه الثقافة المصرية و الهوية و الوعي .