احمد شعبان يكتب : إسدال الستارة على التراث.. حين يعود القرآن هو المرجع
قراءة في مقال المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي
لا يناقش المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله «إسدال ستارة سوداء على التراث» مسائل فقهية متفرقة بقدر ما يطرح قضية واحدة تتفرع عنها كل القضايا:
هل يكون القرآن هو المرجع الذي نزن به ما وصل إلينا من أقوال وتفسيرات، أم يتحول التراث إلى مرجع أعلى يُقرأ القرآن من خلاله؟
هذه هي نقطة البداية، ومنها تتضح بقية الرؤية.
فالتراث في النهاية جهد بشري ارتبط بعصره ومعارفه وظروفه وصراعاته، أما القرآن فهو خطاب الله للناس، ومن ثم لا يجوز أن تصبح اجتهادات السابقين سلطةً تعطل عقل الحاضر أو تمنع إعادة التدبر.
ولهذا يلفت المقال إلى أن الله لم يأمر جيلًا واحدًا بالتفكر والتدبر، وإنما خاطب الإنسان في كل عصر، وجعله مسؤولًا عن فهمه واختياره:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾.
فلا أحد يفكر عنا، ولا أحد يتحمل مسؤولية اختياراتنا نيابة عنا.
المقاصد هي الميزان
المعيار الذي يقدمه المقال لقراءة القرآن ليس الدخول في متاهة الأقوال، وإنما العودة إلى المقاصد الكبرى التي تنتظم الخطاب القرآني كله، وفي مقدمتها:
الرحمة والعدل والسلام.
فأي فهم يؤدي إلى الظلم أو العدوان أو الكراهية أو إهدار كرامة الإنسان يحتاج إلى مراجعة؛ لأن المشكلة حينها ليست في القرآن، وإنما في طريقة فهمه.
ومن هنا تأتي أمثلة المقال.
فالقوامة لا تُفهم بوصفها امتيازًا للرجل على المرأة، وإنما مسؤولية ورعاية وإنفاقًا.
والقتال لا يُفهم باعتباره دعوة مفتوحة إلى مواجهة المخالفين، وإنما يُرد إلى أصله القرآني الواضح:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾.
فالحد الفاصل هو العدوان.
أما الدعوة فقد حدد القرآن أسلوبها صراحة:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وهكذا يصبح مصطلح «آية السيف» مثالًا على خطورة المصطلحات التي تُفرض على القرآن من خارجه، ثم تتحول بمرور الزمن إلى مفاتيح لفهمه رغم أنها ليست من ألفاظه.
من النص إلى الإنسان
المقال لا يتوقف عند ظاهر الأحكام، بل يبحث عما يريد الحكم أن يحققه في حياة الإنسان.
وهنا تظهر القراءة المقاصدية بوضوح.
فبدل أن يقتصر النقاش حول السرقة على العقوبة، يطرح المقال سؤالًا أعمق:
كيف نبني مجتمعًا لا تدفع فيه الحاجة الإنسان إلى السرقة أصلًا؟
وبدل أن تصبح الزكاة مجرد نسبة محفوظة، يُعاد النظر إليها باعتبارها وسيلة لإقامة التكافل وتقليل الفقر والحاجة.
وهكذا لا تصبح التشريعات غاية في ذاتها، وإنما أدوات لتحقيق حياة أكثر عدلًا وأمنًا وكرامة.
الجهاد ليس مرادفًا للقتال
ويعيد المقال كذلك الجهاد إلى معناه الأوسع: بذل الجهد في مقاومة الشر، ومجاهدة النفس، ونشر الخير، والإحسان، والتعاون، والإنفاق، والدعوة بالكلمة الحسنة.
وبذلك يتحرر المفهوم من اختزاله في الحرب.
فالقتال حالة مرتبطة بالاعتداء، أما الجهاد فميدان واسع من العمل الأخلاقي والإنساني.
أين تكمن المشكلة إذن؟
المشكلة ليست في أن السابقين اجتهدوا.
لقد اجتهدوا وفق معارفهم وظروفهم، ومن الطبيعي أن يكون في اجتهادهم صواب وخطأ.
المشكلة تبدأ حين يتحول الاجتهاد البشري إلى مرجعية مقدسة لا يجوز الاقتراب منها، وحين يُطلب من كل جيل أن يكرر ما قاله السابقون بدل أن يمارس ما أمره الله به من تفكر وتدبر.
وعندها يصبح القرآن حاضرًا في التلاوة، لكنه غائب عن توجيه الواقع.
وهنا تكتسب شكوى الرسول معناها العميق:
﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
فالهجر ليس فقط ترك قراءة القرآن، بل قد يكون كذلك تركه مرجعًا حاكمًا واللجوء إلى غيره لتحديد ما ينبغي أن نفهمه منه.
ما المقصود بإسدال الستارة؟
ليست الدعوة إلى محو التاريخ، ولا إلى منع دراسة التراث، ولا إلى إنكار جهود السابقين.
إنما هي دعوة إلى إنهاء الوصاية الفكرية للتراث على القرآن.
نقرأ التراث باعتباره تاريخًا بشريًا، نستفيد مما أصاب فيه، ونراجع ما أخطأ فيه، لكننا لا نجعله حاكمًا على كتاب الله.
فالقرآن هو الأصل، والمقاصد العليا هي البوصلة، والعقل أداة التدبر، والإنسان مسؤول عن اختياره.
وهنا يمكن تلخيص رسالة المقال في عبارة واحدة:
لا نحتاج إلى هدم التاريخ، بل إلى تحرير القرآن من سلطة ما تراكم حوله، وتحرير العقل من الخوف من مراجعته.
فحين يعود القرآن مرجعًا مباشرًا، وتصبح الرحمة والعدل والسلام معيار الفهم، يمكن أن نخرج من أسر الصراع القديم إلى أفق جديد يجعل رسالة الإسلام قوةً لحماية الإنسان لا لإخافته، ولجمع الناس لا لتفريقهم، ولإعمار الحياة لا لاستنزافها.