مجدى طنطاوى يكتب حين يصبح الإيمان جريمة
يروي الدكتور جورج صليبا أنه حين ترك المسيحية واتجه إلى الإلحاد لم يلتفت إليه أحد ولم يتعرض للوم أو العداء وظلت علاقاته بمن حوله كما هي ولم يشعر أن أحدا أعلن عليه حربا بسبب اختياره الفكري
لكن المشهد انقلب تماما حين بدأ يتأمل آيات الله في الكون وقرأ القرآن بعقل يبحث عن الحقيقة فانتهى به البحث إلى الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإعلان إسلامه وهنا كما يقول بدأت حرب شرسة عليه وكأن انتقاله إلى الإيمان كان جريمة لا تغتفر
إن صحت هذه الرواية فهي تطرح سؤالا كبيرا لا يتعلق بشخص واحد وإنما بحرية الإنسان في اختيار عقيدته
لماذا يصبح الانتقال من الدين إلى الإلحاد أمرا يمكن احتماله عند كثيرين بينما يصبح الانتقال من الإلحاد أو من دين آخر إلى الإسلام سببا للهجوم والمقاطعة والتشويه
إن القضية ليست معركة بين أشخاص وليست منافسة بين أديان تبحث عن زيادة الأتباع وإنما هي حق أصيل للإنسان في أن يبحث عن الحقيقة وأن يعتنق ما يطمئن إليه قلبه دون إكراه أو تهديد
والأعجب أن الإسلام نفسه حسم هذه القضية منذ أربعة عشر قرنا فلم يجعل النبي رقيبا على قلوب الناس ولم يكلفه بإجبار أحد على الإيمان بل قال الله تعالى
﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾
الغاشية 22
وقال سبحانه
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
البقرة 256
وقال جل شأنه
﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
الكهف 29
وقال سبحانه
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾
المدثر 38
هذه الآيات تؤكد أن الحساب بين الإنسان وربه وأن وظيفة الرسل هي البلاغ والبيان لا السيطرة والإجبار وأن مسؤولية الاختيار تقع على عاتق كل إنسان وحده
ومن هنا فإن الكراهية التي تواجه إنسانا لأنه اختار الإيمان لا يمكن أن تنسب إلى روح الدين وإنما إلى التعصب وضيق الأفق والخوف من حرية الفكر
إن الحقيقة لا تخشى البحث ولا تحتاج إلى قمع المخالف لأن ما يثبت بالعقل والبرهان لا يحتاج إلى عصا ولا إلى محاكم تفتيش
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والإلحاد وإنما بين حرية الإنسان في أن يبحث عن الحقيقة وبين من يريد أن يصادر هذا الحق
أما القول إن الإلحاد خلق خصيصا لمحاربة الإسلام فهو يحتاج إلى قدر من التمييز فالإلحاد ظاهرة فكرية أوسع من أن تختزل في مواجهة دين بعينه وقد وجد في ثقافات وحضارات متعددة عبر التاريخ لكن لا شك أن بعض التيارات الإلحادية المعاصرة اتخذت من الإسلام هدفا رئيسيا للنقد والهجوم كما اتخذت من غيره من الأديان هدفا أيضا
ويبقى المبدأ الذي قرره القرآن واضحا لا يتغير وهو أن الإيمان لا قيمة له إذا ولد تحت الإكراه وأن الإنسان لن يحمل يوم القيامة إلا عمله واختياره ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ فلا أحد يدخل الجنة بإجبار الناس على الإيمان ولا أحد يزداد منزلة عند الله لأنه منع إنسانا من أن يفكر أو يختار وإنما الفوز لمن أخلص لله واتبع الحق بعد أن تبين له طريقه.