زيرو درافت (Zero draft) . برلين أطراف سياسية ومدنية سودانية وقوى دولية فاقدة للبوصلة
بقلم الصادق علي حسن .
تحت غطاء الخماسية (الأمم المتحدةو، الإتحاد الأوروبي، الإتحاد الإفريقي، جامعة الدول العربية، الإيغاد) ، وقد عجزت الوساطة الرباعية عن تحقيق أي نتائج معتبرة ، وذهبت تصريحات ووعود كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره مسعد بولس ادراج الرياح، خرجت مساعي الدعوة لمؤتمر برلين بشأن السودان ، إن الدعوة لأي مؤتمر، وعن أي جهود يمكن أن تبذل، كما في الحالة السودانية ، يجب أن تجد من حيث المبدأ التقدير والاحترام ، وذلك حيثما التمست الطرق والمداخل الصحيحة لمعالجة الأزمة لا تعقيدها ، ولكن حيثما صارت الجهود المبذولة مدخلا للاستقطاب والصراعات السياسية الدائرة بمثلما حدث في برلين ، تصبح نتائج هكذا جهود ضارة . بحسب البيان الختامي المنشور لمؤتمر برلين، فإن المؤتمر المذكور هو المؤتمر الثالث بشأن السودان ، وأمتدادا لمؤتمري باريس ٢٠٢٤م، ولندن ٢٠٢٥ م ، مما يعني أن أعمال المؤتمر المذكور استكمالا لجهود بدأت منذ عام ٢٠٢٤ م بباريس ولندن ٢٠٢٥م ، وليس كما ورد في اللقاء التحضيري لمؤتمر باريس والذي انعقد بأديس أبابا قبل ثلاثة أيام من انعقاده، والذي قدم فيه وسيط برلين ما أسماه (بزيرو درافت)، أي البداية من الصفر ، مع أن محتويات مسودة (زيرو درافت) المذكورة تضمنت محاور لاطلاق عملية سياسية متكاملة، لا يمكن التوافق عليها في خلال جلسة ليوم وأحد بأديس أبابا تستكمل بجلسة أخرى في برلين ، وقد تضمنت محاور (زيرو درافت) وقف الحرب والتأسيس لانتقال السلطة لحكومة مدنية والعدالة والعدالة الانتقالية . وهذه القضايا المذكورة في مسودة (زيرو درافت) بأديس أبابا لا يمكن تحقيقها من دون التزام طرفي الحرب ، ثم كانت المغادرة على عجلة إلى برلين للإعلان عن مخرجات مؤتمر ببرلين، وقد تم رفع شعارات الخماسية بدلا عن شعارات الرباعية، كما وظهرت المفارقة في البيان الختامي لبرلين ، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الشخصي للسودان هافيستو ، وجامعة الدول العربية ومنظمة الإيغاد جهات مدعوة للمشاركة وليست باعتبارها منظمة لمؤتمر برلين ، وفي برلين وبيانه الختامي، ظهرت دول فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والمانيا والإتحاد الأوروبي والإفريقي باعتبارها الجهات المنظمة، والمعروف أن الإتحاد الإفريقي ظلت مشاركاته في هكذا فعاليات لأغراض الحضور الشكلي الرمزي . بداهة لا يمكن وضع تدابير فاعلة لوقف أي حرب من دون مشاركة أطرافها، إلا إذا كانت مساعي الوقف المبذولة بواسطة مجلس الأمن الدولي الذي يمتلك آليات التدخل الدولي استنادا لميثاقه ، وإذا كان المجلس المذكور جادا ولا يخضع لتقاطع المصالح داخله، فإن الحرب الدائرة في السودان صارت تهدد الأمن والسلم الدوليين، ولها حيثيات ومبررات كافية لضرورة وقفها. كما والوقف لا يحتاج لتجميع قوى سياسية أومدنية ، ولكن ما يحدث في العالم وداخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي قد لا يحتاج إلى كتابة ، فالكافة يعلم به ، إزدواجية المعايير والكيل بمكيالين . لقد كان على القوى السياسية والمدنية السودانية التي شاركت في لقاء أديس أبابا ومؤتمر برلين الذي هو أمتدادا لمؤتمرين سابقين، الأول منهما انعقد بباريس في عام ٢٠٢٤م والثاني بلندن عام ٢٠٢٥م أن تكون شفافة داخل تنظيماتها على الأقل ، وتعرض مسودة (زيرو درافت) على مؤسساتها للنظر فيها وبحثها قبل عرضها في برلين ، ولكن المؤسف ما حدث في برلين بعد أن انتقل الصراع إلى المؤتمر المذكور في ختام أعماله تمسك صمود بمشاركة خمسة ممثلين عنه إضافة لمشاركة طه عثمان القيادي بصمود ولكن لأغراض ذلك الإجتماع بالصفة المستقلة لترفض مجموعة الجاكومي وتطالب بأعداد مماثلة ، فالأمر الأهم بالنسبة لهم جميعا ، وجود الأشخاص بذواتهم داخل ذلك الإجتماع، وليس ما سيبحثه ذلك الإجتماع .
الأطراف مدعوة بإستثناء تأسيس .
من يبحث بدقة في مؤتمر برلين يجد أن المؤتمر حاول أن يعالج اخطاء مؤتمري باريس ٢٠٢٤ ولندن ٢٠٢٥م وأحداث اختراق على موقف طرفي الحرب، وذلك بإدخال لقوى مدنية بأعتبارها معبرة عن الإرادة الشعبية المغيبة ،وممثلة لأصحاب المصلحة . تجاهل منظمو مؤتمر برلين القوى المدنية المحسوبة على تأسيس وأجروا مشاورات غير معلنة مع أطراف محسوبة على بورتسودان ، وبدهاء أحتفظت بورتسودان لنفسها بالرفض المعلن، ومخاطبة الرأي العام السوداني بذلك الموقف الرافض للمؤتمر، وفي نفس الوقت شاركت بورتسودان وابتعثت من يأدون لها الدور المرسوم ، وذلك لتحقيق أحد الهدفين ، وهما محاولة إخراج المؤتمر عن مساره المخطط له بواسطة من نظموه ، أوإفشاله من داخله، وقد كان على رأس المحاولة الأولى السلطان سعد بحر الدين ، وتولى أمر المحاولة الثانية الجاكومي . كذلك ظهر التباين في موقف حلفاء بورتسودان أنفسهم ، فقد سجل مبارك اردول موقفا مغايرا لموقف بورتسودان ، وذلك ما يُقال بواسطة مراقبين ببرلين ، بما يًفسر لسان حال الغضب الداخلي للفريق أول شمس الدين كباشي وأنصاره الذين يرون أنه قد تم استبعاده من موقع الرجل الثاني في الجيش، وقد تبع ذلك قيام قوى اجتماعية بإطلاق الوعيد التهديد الصريح ،كما حددت فترة مهلة زمنية لإعادته للمنصب الذي فقده في تعديلات قائد الجيش الأخيرة .
جلبة جاكومي .
نتيجة لخلو الساحة السياسية العامة من تنظيمات سياسية ومدنية فاعلة ، وجد الجاكومي أن الساحة السياسية شبه الخالية، أسهل لتطلعاته الشخصية ، ومعاركة الإعلامية، من ساحة عراك رياضة كرة القدم ، فنقل معه أدوات ضجيج صراعات الأندية الرياضة واتحاد كرة القدم بحنجرته الكبيرة ، وصوته الجهور إلى الساحة السياسة ، وهو الذي لم يكن له أي كسب سياسي في النضال السياسي، وقد صار ناطقا بإسم حزب من أعرق الأحزاب السودانية (الإتحاد الديمقراطي الأصل) ذلك الحزب الذي غابت عن الحياة أو أنزوت قياداته المؤثرة المخضرمة، ليؤول شأن ذلك الحزب والأفرع العديدة بإسمه لأمثال الجاكومي الذي ترأس لافتة باسم كتلة (مدعاة) بإسم الكتلة الديمقراطية ،جمعت لافتات لتنظيمات وحركات مسلحة لا تؤمن بالديمقراطية ولا تمارسها وترفع شعاراتها وتحارب (بمثل رفع قميص عثمان) ، ولأن المجموعة التي اختطفت تمثيل قوى ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م لا تزال تنتحل صفة تمثيل قوى الثورة ووضعت مكاسبها في حقيبة د.عبد الله حمدوك ، صارت عند هذه المجموعة (صمود) أن مجرد ذهاب الجاكومي واردول ومن معهما إلى أديس أبابا وبرلين إنجازا ونجاح لمؤتمر برلين ، كما ورد في البيان الختامي لمؤتمر برلين وقد رفضت مجموعة الجاكومي الإقرار لها حتى بذلك الكسب المزعوم .
تناقضات بكري الجاك .
توضيحات دكتور بكري الجاك الناطق الرسمي بإسم صمود لا تتطابق مع الوقائع سوى في الثانويات ، ففي الواقع أن وساطة برلين بالفعل استدعت الأزمة السودانية المنسية لمنضدة أروقة المجتمع الدولي، ولكل جهة من الجهات الراعية لمؤتمر برلين تقديراتها في ذلك ، وقد كان الدور الأبرز لفرنسا والمملكة المتحدة، وبقدر محدود لألمانيا الدولة المُضيفة والولايات المتحدة الأمريكية ، وما تحقق من زخم كان عنوانه الأبرز ظهور الانقسامات المجتمعية والسياسية والمدنية السودانية بصورة حادة في برلين، وذلك ما سأتناوله في حلقات بعد العودة لتكملة مقالات سابقة عن الدور الفرنسي في أزمات دول حزام الغرب الإفريقي والسودان.
تكرار نتائج مؤتمر القاهرة .
في ٦ يوليو ٢٠٢٤م انعقد مؤتمر القاهرة تحت شعار (معا لوقف الحرب في السودان) وبغالبية نفس الوجوه المكررة التي شاركت في مؤتمر برلين ٢٠٢٦م ، وكان ما خرج به المؤتمر المذكور أيضا صورا للنخب في الوسائط، وتصريحات ممجوجة ، كما وقد تكرر المشهد نفسه في برلين ، ولكن في برلين توافرت عناصر الإثارة الخارجية للأطراف السودانية المتصارعة على السلطة والتي حشدت عضويتها أمام مباني وزارة الخارجية الألمانية ببرلين .