احمد شعبان يكتب ..قراءة في إفتتاحية العدد 56 من مجلة العرب بعنوان (مصر والتوازن العربي والإقليمي في فكر الشرفاء الحمادي)
من موسوعة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي
يأتي العدد السادس والخمسون من مجلة «العرب للأبحاث والدراسات» في لحظة عربية شديدة الحساسية، تتداخل فيها التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية والتكنولوجية، وتعيد فيها دول المنطقة النظر في أدوات قوتها وموقعها داخل عالم تتغير موازينه بسرعة متزايدة.
لكن ما يمنح هذا العدد خصوصيته هو أن افتتاحيته، التي كتبها المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي تحت عنوان «مصر والتوازن العربي والإقليمي»، يمكن اعتبارها مفتاحًا لقراءة بقية موضوعاته؛ لأنها تطرح السؤال الأكبر الذي تدور حوله أغلب الملفات:
كيف يمكن للعالم العربي أن يستعيد توازنه ويبني عناصر قوته في المستقبل؟
مصر.. ليست مجرد دولة في الإقليم
ينطلق المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي من حقيقة تاريخية راسخة، وهي أن مكانة مصر في العالم العربي لا تقوم فقط على اتساعها السكاني أو موقعها الجغرافي أو قدراتها السياسية والعسكرية، وإنما على دور تاريخي متراكم جعلها حاضرة في أغلب القضايا العربية الكبرى.
لقد تعاملت مصر، عبر مراحل عديدة، مع قضايا محيطها باعتبارها قضايا أشقاء، وقدمت ما استطاعت من دعم وتضحيات دون أن يكون حساب الربح والخسارة هو المحدد الوحيد لمواقفها.
ومن هنا جاءت صورة مصر باعتبارها القلب النابض في الجسد العربي.
فالقلب لا يعمل لنفسه، وإنما يضخ الحياة في الجسد كله، وكذلك فإن استقرار مصر وقوتها وحضورها الفاعل ينعكس على منظومة التوازن العربي بأكملها.
وهذه الفكرة لا تستدعي الماضي لمجرد تمجيده، وإنما تستخلص منه مسؤولية للمستقبل.
فإذا كان العالم العربي يريد أن يعيد بناء توازنه، فإن دور مصر يظل أحد الأعمدة الرئيسية في هذه العملية.
التوازن لا تصنعه السياسة وحدها
ولعل أبرز ما تكشفه بقية ملفات العدد أن مفهوم التوازن نفسه أصبح أوسع من السياسة والعلاقات الدولية.
فالدولة التي تريد أن تحافظ على مكانتها في عالم اليوم تحتاج إلى منظومة متكاملة من عناصر القوة:
العلم والمعرفة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والإنسان، والأمن، والشراكات الإقليمية.
ومن هنا تبدو بقية ملفات العدد وكأنها تقدم أبعادًا متعددة للمفهوم نفسه الذي انطلقت منه الافتتاحية.
الإمارات.. حين تتحول المعرفة إلى قوة
يقدم ملف «من النفط إلى الخوارزميات» نموذجًا واضحًا لتحول مفهوم القوة.
فالإمارات لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تقنية جديدة، وإنما باعتباره جزءًا من بناء اقتصادي وإداري ومعرفي جديد.
وهذا التحول يحمل رسالة تتجاوز حدود دولة بعينها.
فالعالم ينتقل من مرحلة كانت فيها الثروة الطبيعية هي المصدر الأبرز للقوة، إلى مرحلة أصبحت فيها المعرفة والقدرة على إنتاجها وتطبيقها أحد أهم عناصر التفوق.
ومن ثم فإن المستقبل العربي لن يصنعه امتلاك الموارد وحده، بل القدرة على تحويل هذه الموارد إلى معرفة وإبداع وإنتاج.
الثروة التي تحت الأرض يمكن أن تنفد، أما الثروة التي يبنيها العقل فتستطيع أن تتجدد باستمرار.
الشباب.. صناعة المستقبل لا انتظارُه
وفي الملف المصري الخاص بالشباب يظهر بعد آخر من أبعاد القوة.
فالانتقال من مفهوم «تمكين الشباب» إلى مفهوم «الشراكة» يحمل تحولًا عميقًا في طريقة التفكير.
فالتمكين يفتح الباب للشباب، أما الشراكة فتجعلهم جزءًا من عملية صنع القرار نفسه.
وحين يشارك الشباب في تحديد المشكلات، واقتراح الحلول، وتنفيذها، وتقييم نتائجها، فإنهم لا يعودون مجرد مستفيدين من سياسات الدولة، وإنما يصبحون شركاء في صناعة مستقبلها.
وهذا يرتبط مباشرة بفكرة التوازن؛ لأن المجتمع الذي يعزل أجياله الجديدة عن المشاركة يفقد تدريجيًا قدرته على التجدد.
أما المجتمع الذي يحول طاقة الشباب إلى معرفة وإنتاج ومسؤولية، فإنه يضيف إلى قوته موردًا لا ينضب.
السعودية.. الأمن كمسؤولية مشتركة
ويأتي الملف السعودي ليضيف بعدًا آخر يتعلق بالأمن والردع والشراكات الإقليمية.
فالتحولات التي يشهدها العالم تفرض على دول المنطقة إعادة التفكير في مفهوم الأمن.
لم يعد الأمن مجرد حماية للحدود، وإنما أصبح مرتبطًا بالممرات البحرية والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والتعاون الدفاعي والقدرة على مواجهة التهديدات المشتركة.
ومن هنا تعكس التحركات السعودية نحو بناء شراكات أمنية أوسع إدراكًا بأن حماية المنطقة لا يمكن أن تظل رهينة ترتيبات يصنعها الآخرون وحدهم.
والأمن الحقيقي لا يقوم فقط على امتلاك القوة، بل على بناء شبكة من المصالح المشتركة تجعل التعاون أكثر فائدة من الصراع.
من تعدد الملفات إلى وحدة الرؤية
عند جمع هذه الموضوعات يتضح أن العدد لا يقدم مجموعة قضايا منفصلة، وإنما يرسم بصورة غير مباشرة ملامح مشروع أوسع لبناء القوة العربية.
فمصر تمثل ثقل التوازن السياسي والجغرافي والتاريخي.
والإمارات تقدم نموذجًا لقوة العلم والتكنولوجيا.
والشباب يمثلون رأس المال الإنساني المتجدد.
والسعودية تطرح بعد الأمن والشراكات الإقليمية.
وتضيف بقية ملفات فلسطين والسودان وليبيا والعراق وبلاد الشام والكويت والمغرب العربي صورة أكثر اتساعًا للمشهد الذي يتحرك داخله العالم العربي.
وهكذا يصبح السؤال الحقيقي:
هل تستطيع هذه القدرات المتعددة أن تتحول من جهود منفردة إلى منظومة عربية أكثر تكاملًا؟
القيم قبل القوة
غير أن امتلاك أدوات القوة لا يكفي وحده.
فالخبرة الإنسانية تؤكد أن العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والسلاح يمكن أن تكون أدوات بناء، ويمكن كذلك أن تتحول إلى وسائل تدمير إذا انفصلت عن القيم.
ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى منظومة أخلاقية تحكم استخدام القوة.
وهنا تبرز المقاصد العليا للقرآن الكريم: الرحمة والعدل والسلام، باعتبارها قيمًا إنسانية جامعة يمكن أن توجه حركة الدول والمجتمعات نحو ما يحفظ كرامة الإنسان وأمنه ومستقبله.
وهذه الرؤية تمثل جوهر المشروع الفكري للمفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي يدعو إلى استعادة القيم القرآنية باعتبارها أساسًا لبناء علاقات إنسانية أكثر عدلًا وسلامًا.
وتعمل مؤسسة رسالة السلام العالمية على نقل هذه الرؤية إلى المجال العام عبر الحوار والنشر والتواصل الثقافي والفكري، والدعوة إلى جعل الإنسان محور التنمية والقوة والسياسة.
مصر في قلب المعادلة
من هنا يمكن فهم سبب تصدر مقال «مصر والتوازن العربي والإقليمي» للعدد.
فمصر في هذه الرؤية ليست طرفًا بين أطراف متعددة، وإنما ركيزة في بناء التوازن العربي.
لكن قوة مصر وحدها لا تكفي، كما أن قوة أي دولة عربية منفردة لا تكفي.
المستقبل يحتاج إلى تفاعل القدرات العربية المختلفة، بحيث تتحول الجغرافيا إلى تعاون، والثروة إلى معرفة، والشباب إلى طاقة منتجة، والتكنولوجيا إلى أداة تنمية، والقوة إلى وسيلة لحماية السلام.
وهنا تتجاوز القراءة حدود عدد صحفي إلى سؤال حضاري:
هل يستطيع العرب أن ينتقلوا من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل؟
الخلاصة
العدد السادس والخمسون من مجلة «العرب للأبحاث والدراسات» يقدم صورة لعالم عربي يتحرك على أكثر من جبهة في وقت واحد.
لكن افتتاحية المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي تمنح هذه الصورة مركزها ومعناها الأوسع:
لا مستقبل عربيًا دون توازن، ولا توازن دون دول قوية، ولا قوة حقيقية دون علم وإنسان وأمن وتعاون وقيم.
وتظل مصر، بما تمتلكه من تاريخ وثقل وموقع ودور، أحد أهم أعمدة هذا التوازن.
غير أن اكتمال الصورة يظل مرهونًا بقدرة الأمة العربية على تحويل تنوع إمكاناتها إلى تكامل، وتعدد دولها إلى تعاون، وقدراتها المتفرقة إلى مشروع مشترك.
فالمستقبل لا تصنعه دولة واحدة، وإنما تصنعه أمة تدرك أن قوة كل جزء منها هي إضافة إلى قوة المجموع.