مجدى طنطاوى يكتب خمسة فرفشة لا تفسد الإيمان
من أغرب ما أصاب بعض المجتمعات أن فريقا من الناس أراد أن يصور الإنسان المؤمن وكأنه مخلوق من نور لا يخطئ ولا يضحك ولا يفرح ولا يمازح أحدا وكأن التدين الحق يقتضي أن يعيش المرء عابسا مكفهر الوجه يطارد الحلال والحرام في كل حركة وسكنة حتى يضيق على نفسه ما وسعه الله
وهذا تصور لا يعرفه القرآن ولا تعرفه الفطرة التي خلق الله الناس عليها
فالإنسان ليس ملكا من الملائكة ولا آلة بلا مشاعر بل هو مخلوق يحمل في نفسه الجدية والمرح ويحتاج إلى العمل والراحة وإلى العبادة والترفيه وإلى التفكير والابتسام
إن ادعاء الملائكية المطلقة كذب على النفس قبل أن يكون خداعا للناس لأن الله خلقنا بشرا نحب ونكره ونفرح ونحزن ونمزح ونجتهد ونخطئ ثم نتوب ونستغفر
ولذلك فإن المشكلة ليست في أن يضحك الإنسان أو يغني أو يمازح أصدقاءه أو يستمتع بوقت من الترويح عن النفس بل المشكلة الحقيقية حين يتحول الإنسان إلى ظالم أو معتد أو فاسد في الأرض
فالميزان الذي وضعه القرآن واضح لا لبس فيه
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
لم يجعل الله معيار التقوى أن يعيش الإنسان مكتئبا أو أن يحرم نفسه من كل متعة مباحة وإنما جعل المعيار في العدل والإحسان والرحمة وحفظ الحقوق
لقد تربى كثيرون منا على أيدي خطباء ودعاة رسخوا في العقول فكرة خطيرة مفادها أن الأصل في الأشياء هو الحرام وأن الإنسان متهم حتى تثبت براءته وأن الفرح باب للمعصية وأن الضحك نقص في الدين وأن الفن كله شر وأن التلفزيون كله فساد
فنشأت أجيال تخاف من الحياة أكثر مما تخاف من الظلم وتطارد المباحات أكثر مما تطارد الفساد الحقيقي
وأذكر أن الواقع نفسه هز هذه القناعات عندي حين قادتني مهنتي إلى إجراء حوار صحفي مع الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في منزله بالمنصورية
كان ذلك بعد صلاة التراويح حيث جلست وزميلى المصور والسائق في بهو المنزل وتناولنا ما لذ وطاب من الطعام بينما تأخر الشيخ بعض الوقت
وحين علمت بالمكان الذي يجلس فيه ذهبت إليه فوجدته جالسا يشاهد مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"
فسألته بشيء من التعالي الذي يصيب الشباب أحيانا
هو ده حلال يا مولانا؟
فنظر إلي مبتسما وقال
وهل تعرف ما هو الحرام؟
كانت جملة قصيرة لكنها فتحت بابا واسعا للتفكير
فالحرام ليس كلمة تقال جزافا على كل شيء لا يعجبنا
والدين ليس قائمة طويلة من المنع والتحريم
والله سبحانه لم يبعث رسالاته ليعذب الناس أو يحرمهم من أسباب السعادة بل قال تعالى
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾
وقال تعالى
﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾
إن الإنسان يحتاج من وقت لآخر إلى شيء من الترفيه وإلى جلسة ضحك مع الأصدقاء وإلى فسحة مع الأسرة وإلى لحظات يخفف بها أعباء الحياة وضغوطها
وما دام ذلك كله لا يتضمن ظلما لأحد ولا اعتداء على حق ولا فحشا ولا فسادا فإنه يدخل في دائرة المباح الذي جعله الله رحمة للناس
أما المأساة الحقيقية فهي أن نكبت أنفسنا عن المباح ثم نطلق العنان لألسنتنا في أعراض الناس وأن نشدد في التوافه ونتساهل في الظلم وأن نهتك ستر الناس باسم الغيرة على الدين بينما نتغافل عن قيم العدل والرحمة التي هي جوهر الدين
لقد آن الأوان أن نفهم أن الله لم يخلقنا ملائكة بل خلقنا بشرا
نبكي ونضحك
نتعب ونرتاح
نخطئ ونتوب
نفرح ونحزن
وأن الإيمان الحق لا يقاس بكمية العبوس على الوجوه بل بكمية الرحمة في القلوب والعدل في المعاملة والإحسان إلى الناس
فلا بأس من خمسة فرفشة بين الحين والآخر
لكن لا تجعلها على حساب حق إنسان
فهنا يبدأ الحرام الحقيقي.