العلاقة بين الدول الكبرى والدول الفقيرة: بين الصراع والمصالح والتعاون الدولي

بقلم: إدريس أحميد – صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي
شهد العالم، عبر العصور، صراعات مستمرة بين الدول الكبرى والدول الفقيرة، حيث لعبت القوى العظمى دورًا رئيسيًا في رسم السياسات العالمية وتحديد مسارات الاقتصاد والسياسة الدولية.
ولم تقتصر هذه الصراعات على البعد العسكري، بل امتدت إلى المجالات الاقتصادية، التكنولوجية، والثقافية، مما أثر على التنمية والاستقرار العالمي. واليوم، تبرز تساؤلات جوهرية حول إمكانية تجاوز هذه الصراعات نحو تعاون أكثر إنسانية، خاصة مع تفاقم الأزمات العالمية مثل التغير المناخي، الحروب، الاحتلال، والهجرة غير النظامية.
أولًا: نماذج من سياسات الدول الكبرى تجاه العالم
1. السياسة الفرنسية: النفوذ والهيمنة في مستعمراتها السابقة
تعتمد فرنسا على نفوذها في مستعمراتها السابقة، خصوصًا في إفريقيا، حيث تسيطر على الأنظمة الاقتصادية لبعض الدول عبر الفرنك الإفريقي، مما يبقي هذه الدول في تبعية اقتصادية لباريس رغم استقلالها السياسي.
تدخلاتها العسكرية في دول مثل مالي وتشاد تعكس استمرار النفوذ الاستعماري تحت غطاء "محاربة الإرهاب".
2. السياسة الأمريكية: الهيمنة الاقتصادية والعسكرية
تهيمن الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي عبر مؤسسات مالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما يفرض على الدول الفقيرة التزامات مالية وسياسات اقتصادية تخدم المصالح الأمريكية.
عسكريًا، تتدخل واشنطن تحت ذرائع مثل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما حدث في العراق، أفغانستان، وأوكرانيا، مما يثير تساؤلات حول دوافعها الحقيقية.
3. السياسة البريطانية: نفوذ دبلوماسي واقتصادي
رغم تراجع قوتها الاستعمارية، لا تزال بريطانيا لاعبًا مؤثرًا في الاقتصاد والسياسة العالمية، مستفيدة من علاقاتها مع الكومنولث لتعزيز مصالحها.
تحافظ على دورها كشريك استراتيجي للولايات المتحدة، وتؤثر في سياسات الشرق الأوسط عبر علاقاتها التاريخية بدول الخليج.
4. الصين: القوة الاقتصادية الصاعدة ونهج السياسة الناعمة
على عكس الدول الغربية، تعتمد الصين على "القوة الناعمة" في تعاملها مع الدول الفقيرة، خصوصًا في إفريقيا وآسيا، حيث تستثمر في البنية التحتية دون فرض شروط سياسية صارمة.
مشروع "الحزام والطريق" يعزز نفوذها العالمي، لكنه يثير مخاوف من "دبلوماسية الديون"، حيث قد تجد بعض الدول نفسها مرهونة للمصالح الصينية.
هل يشكل النموذج الصيني بديلاً أكثر عدالة مقارنة بالنموذج الغربي؟
5. الاتحاد الأوروبي: بين التعاون الاقتصادي والطموح السياسي
يسعى الاتحاد الأوروبي ليكون قوة عالمية مؤثرة، لكنه يواجه تحديات داخلية مثل الأزمات الاقتصادية، خروج بريطانيا (بريكست)، وصعود اليمين المتطرف.
يعتمد على الشراكات التجارية والمساعدات التنموية، لكنه أحيانًا يفرض سياسات تقوّض استقلالية الدول الفقيرة.
هل يستطيع تقديم نموذج مختلف للعلاقات الدولية قائم على التعاون بدلاً من الاستغلال؟
ثانيًا: الصراعات العالمية وأثرها على الدول الفقيرة
1. الصراع على الموارد والطاقة
تتنافس الدول الكبرى على مصادر الطاقة مثل النفط والغاز، مما يؤدي إلى تدخلات عسكرية وسياسية في الدول الغنية بهذه الموارد، كما حدث في العراق وليبيا وسوريا.
2. الاحتلال والصراعات المسلحة: فلسطين نموذجًا
القضية الفلسطينية تُعد مثالًا صارخًا على الظلم العالمي، حيث تمارس إسرائيل الاحتلال والقتل والحصار بدعم من الدول الكبرى، مما يؤدي إلى كارثة إنسانية مستمرة.
3. المخاطر البيئية والتغير المناخي
الصناعات الكبرى في الدول المتقدمة مسؤولة عن الاحتباس الحراري والتغير المناخي، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على الدول الفقيرة التي تعاني من التصحر، الفيضانات، والكوارث البيئية.
هل تتحمل الدول الكبرى مسؤولياتها في مساعدة الدول الفقيرة لمواجهة هذه التحديات؟
4. الهجرة غير النظامية والإرهاب: نتائج السياسات الدولية
نتيجة الحروب، الأزمات الاقتصادية، والاستبداد، تضطر شعوب الدول الفقيرة إلى الهجرة غير النظامية بحثًا عن حياة أفضل، مما يخلق توترًا مع الدول المستقبِلة.
الإرهاب هو نتيجة أخرى للصراعات العالمية، حيث تستغل بعض الجماعات الفقر والظلم لنشر أفكارها المتطرفة، وهو ما تستخدمه الدول الكبرى كذريعة للتدخل في شؤون الدول الفقيرة.
ثالثًا: هل يمكن للعالم أن يتبنى خيارًا آخر بدل الحروب والصراعات؟
في ظل هذه الصراعات المتزايدة، يبرز تساؤل هام: هل يمكن للعالم أن ينتقل من الصراع إلى التعاون؟
بدلاً من استخدام الديمقراطية كذريعة للتدخل العسكري، يمكن تشجيع بناء نظم سياسية تحترم التنوع الثقافي والسيادة الوطنية.
تعزيز التنمية الاقتصادية العادلة من خلال شراكات حقيقية بين الدول الكبرى والدول الفقيرة، بدلاً من استغلال الموارد ونهب الثروات.
التعامل مع المشاكل البيئية، الهجرة، والإرهاب بحلول قائمة على التعاون والتنافس الشريف، بدلاً من السياسات القمعية والحروب.
في النهاية العلاقة بين الدول الكبرى والدول الفقيرة ليست ثابتة، بل تتغير حسب المصالح والتحالفات.
وبينما كانت الحروب والصراعات تهيمن على هذه العلاقة، فإن العالم اليوم بحاجة إلى رؤية جديدة تقوم على التعاون العادل والتنافس الشريف.
فهل تستطيع الدول الكبرى التخلي عن سياسات الهيمنة واحتواء الأزمات العالمية عبر العدالة الاقتصادية والتضامن الإنساني؟ أم أن الصراع سيظل هو العنوان الرئيسي للعلاقات الدولية؟