قراءة نقدية في وصية محكوم بالإعدام: أبعاد خفية لأزمة السودان

قراءة نقدية في وصية محكوم بالإعدام: أبعاد خفية لأزمة السودان
رؤية إعدام جوزيف - وادي النيل

بقلم: الصادق علي حسن

يشكل كتاب "حكاية إعدام جوزيف" للدكتور ضيو مطوك ديينق وول مادة بحثية غنية تستدعي التحليل والنقاش، حيث يتناول قضايا وممارسات ظلّت طي الكتمان حتى تفجّرت مع الحرب الدائرة، كاشفةً عن تعقيدات المشهد السوداني.

محاكمة جوزيف بين نظامين متباينين

يسلط الكتاب الضوء على قضية جنائية وقعت بين مرحلتين سياسيتين مختلفتين: الديمقراطية الثالثة (1985-1989) بقيادة الصادق المهدي، والحكم الدكتاتوري الذي بدأ بانقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة الجبهة الإسلامية القومية. وهنا، يرى الكاتب أن المؤلف لم يكن منصفًا في مساواة أداء أجهزة العدالة في الفترتين، حيث كانت المؤسسات القضائية خلال الديمقراطية الثالثة أكثر استقلالية.

وفقًا للكتاب، بدأت إجراءات محاكمة جوزيف في ظل الديمقراطية الثالثة، وتمت وفق الأطر القانونية السليمة، حيث لم يكن هو المشتبه الوحيد في القضية، بل أُجري طابور الشخصية على عدة أفراد. وعند النظر في سير المحاكمة، توصلت المحكمة إلى إدانته بتهمة القتل شبه العمد وحكمت عليه بالسجن عشر سنوات والدية، ما يشير إلى تطبيق الإجراءات العدلية بحياد.

التدخلات السياسية في العدالة خلال عهد الإسلاميين

مع صعود الإسلاميين إلى السلطة، تغيّرت طبيعة مؤسسات العدالة، حيث بات التدخل السياسي والمحسوبية من السمات البارزة. ويفضح الكتاب هذه الممارسات، مشيرًا إلى أن السلطة لم تكتفِ بالهيمنة على القضاء، بل فتحت البلاد للحركات الجهادية، ومن بينها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، الذي وجد في السودان ملاذًا قبل أن يُستغل ويُطرد لاحقًا.

كواليس العلاقة مع الجماعات الإسلامية العالمية

يقدم الكتاب لمحات عن التناقضات داخل النظام السوداني، حيث دعم الإسلاميون شخصيات مثل أسامة بن لادن وكارلوس ثم سعوا للتخلص منهم لاحقًا. فبينما لجأ كارلوس إلى السودان بدعوى دعم القضايا التحررية، انتهى به المطاف مسلّمًا لفرنسا في صفقة سرية. كما يكشف الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، أن البشير عرض تسليم بن لادن للسعودية عام 1996، في خطوة تعكس براغماتية النظام.

في النهاية يُبرز الكتاب كيف وظّف الإسلاميون السودان كقاعدة للنفوذ الإقليمي والدولي، مستغلين الشعارات الدينية لخدمة أهدافهم السياسية، ما قاد البلاد إلى عزلة دولية وصراعات داخلية عميقة. إن قراءة "حكاية إعدام جوزيف" ليست مجرد استعراض لحدث فردي، بل نافذة على التاريخ السياسي المعقّد للسودان، تكشف كيف شكلت الأيديولوجيا مصير الأفراد والدولة على حد سواء.